اسمح لي أن أسمعك

اسمح لي أن أسمعك

كان يومًا دراسيًا طويلاً عندما اتجهتُ أنا وزميلتي إلى كُشك التصوير لإحضار بعض المذكّرات الجامعية وتصويرها، هناك وجدت زميلتي تفقد أعصابها أمام الرجل الذي يعمل بالكُشك لأنه لم يكن سريع الاستجابة لها. فطلبت منها أن تهدأ وترفع صوتها قليلاً وأن تتكلم بهدوء ووضوح

الرجل الذي يعمل في كُشك التصوير يضع سماعات أذن لضعف في السمع، ولكنه كان يضع نوعًا قديم الطراز يتكون من سلك رفيع يربط قطعة السماعة الموضوعة بالأذن بجهاز يوضع في الجيب… يشبه إلى حدٍ كبير مشغل الشرائط المعروف في  التسعينات بـ”الووكمان”. وهذاغالبًا ما يجعل معظم الطلبة يظنون بأن العامل عند استعماله للووكمان فإنه يجعله بطئ الاستجابة لهم لعدم تركيزه وانشغاله بما يسمعه، لكنني أعلم حقيقة الأمر، وأعلم أنه ليس جهاز ووكمان وأن هذا الرجل يحتاج من الناس أن تكلمه بصوت واضح، وأن تكون وجوههم في مرمى بصره حتى يتمكن من قراءة أفواههم، وأدرك أيضًا أنه يحتاج من الناس أن تكون أكثر تفهمًا أعلم كل هذا لأن لدي نفس احتياجاته

الحياة في مصر كبلد لا تعترف بضعف السمع علّمني الكتير من الدروس في الحياة. علم أهلي بأن لدي مشكلة ضعف السمع عندما كنت طفلة ذات 8 أعوام، وبدأت استخدام السماعات عندما بلغتُ العاشرة من عمري. والآن أكملت 21 عامًا وأدرس حاليًا الهندسة المعمارية بكلية الهندسة بجامعة القاهرة وأضع السماعات في الأذنين. طوال هذه السنوات، كنت أتعلم يوميًا درسًا جديدًا، كل التجارب اليومية في حياتي مع فقدان السمع تُمَثل بالنسبة لي درسًا أو تكتيكًا جديًدا لكيفية التعامل مع الآخرين. فأنا مجبرة ولا خيار أمامي سوى التعايش مع هذا الأمر.

الجامعة لم تكن التجربة الأولى لي، ولكنها كانت الأصعب والأشد قسوة حَيثُ  بدأت أواجه الصعوبات بالمحاضرات خصوصًا مع عدم توفر أغلب المذكّرات المكتوبة  ولأن كل شئ يعتمد على ما يقوله أو يشرحه الأساتذة بالمحاضرات؛ علي عكس المدرسة الثانوية حيث كان كل شيء متاحًا ومدونًا بالكتب.

كٓبِرتُ، ومع الوقت صُرتُ أعرف أكثر عن مشكلتي السمعية، وَهَذَا يجعلني أعود بذهني كثيرًا لأيام طفولتي. أتذكر جيدًا كيف كنت أقضي يومي بالمدرسة الابتدائية؛ أحلام اليقظة، أتذكر أنه نادرًا ماتمكنتُ من التركيز في الفصل، خصوصًا قبل استخدامي سماعات ضعف السمع، حتى وإن حاولت، كنت غالبًا ما أشعر بقلة الحيلة والعجز في الاستيعاب والفهم… ولكن الأمر كان أقلُ إحباطاً مما هو عليه الآن في الجامعة. الشعور بالإحباط يزداد كلما عرفت أكثر عن مشكلتي وأدرك أنه ليس بإمكاني عمل شيء أمام هذا الواقع الذي لايمكنني تغييره… نعم، لم أستفد كثيرًا في الماضي من الفصل في المدرسة الابتدائية، لكنني كنت أبدأ بعد توجهي للمنزل يوميًا بالمذاكرة من الصفر من خلال قراءة الكتب الدراسية مرارًا وتكرارًا… وبالفعل كنت من الطلبة المتفوقين بمدرستي بالرغم من كل شئ، كنت أقوم بمجهود مضاعف، بل أضعاف المجهود المطلوب ولم أشتكي أبدًا طالما كانت الكتب والمصادر الدراسية متاحة لي .

في المدرسة الإعدادية، اختلف الأمر وغدوت أتعامل مع السخرية في بعض المواقف ومن ضمنها سؤال المُدرِّسة لي عن شئ أو مناداتها لي بدون أن أستجيب لعدم سماعي لها، كنت دائمًا أرى ضحكات ساخرة من حوْلي كنت في هذه المرحلة ازداد معرفة أكثر عن حالتي، وبدأت أكره هذه المعرفة كثيرًا خصوصًا مع كثرة تلقي الأسئلة من زملائي بالمدرسة .حينها كان الأمر يتطلب الكتير من الصبر والمجهود للإجابة علي سؤال مثل: ” آه ، هذه مثل النظارات الطبية لكنها للأذنين “..الإجابة، بنعم ولا معًا . فالأمر مختلف بعض الشئ.

كنت أشعر بالإحراج عندما أتلقى الكثير من هذه الأسئلة أو عندما يحاول أحد لمس أذني. كنت دائمًا ما أتمني ان أكتب كل الإجابات على وجهي مسبقا حتى
لا أضطر أن أجيب على كل الأسئلة التي أتلقاها من كل شخص أقابله.

عندما أتذكر كل هذه التفاصيل والمواقف التي مررت بها، أرى أن الأمر كان به بعضًا من الإساءة العاطفية والنفسية وأشعر ببعض من الأسى لأنني اضطررت أن أواجه كل هذه المواقف والمضايقات في سن صغيرة؛ فقط لأن المجتمع لا يعرف كفاية عن ضعف السمع.

اليوم، حياتي بالجامعة تتمحور حول قلقي ألا أسمع جيدًا بالمحاضرات… المشكلة الأكبر هي أن بعض الأساتذة لا يمكنهم رؤية الصورة كاملة، حتي وإن قلت لهم عن ضعف سمعي ووضعي السماعات قبل بداية المحاضرات… فهم يبدون اهتمامهم وتفهمهم، إلا أنهم دائمًا ما ينسوا الأمر ولا يدركوا أن صوتهم منخفض جدًا أغلب الوقت، أو أنني لا يمكنني قراءة أفواههم ووجوههم متجهة إلي السبورة… هذه الأمور تصيبني بالإحباط  الشديد وأجد نفسي أرغب في الصياح: “اسمح لي أن أسمعك”.

أنا لا أكره الجامعة، بل بالعكس أحب دراستي والتخصص الذي أدرسه وأعلم جيدًا أنه يمكنني تحقيق المزيد من الإنجازات الأكاديمية فقط لو أُخذت مشكلتي بعين الاعتبار. لا أريد أن أكون قلقة طيلة الوقت حيال إيجاد مذكّرات دراسية، لا أريد أن اقوم بأضعاف المجهود المطلوب فقط لأن المعلّم قرر أن يشرح المحاضرة بأكملها من خلال فيديو ليس به نص مكتوب أتمكن من قراءته. أريد أن أحقق كل شيء بمجهودي فقط بدون الاضطرار إلى الاستعانة بالمساعدة… ولكن فقط اسمح لي ان أسمعك.

الحل لجميع هذه المشاكل هو شيء بسيط جدًا، ولكن الناس ليس لديهم أدنى فكرة أو معرفة بمشكلة ضعف السمع… ولا، لا نستخدم لغة الاشارة مثلما يظن البعض.

الحل لمعضلة ضعاف السمع أو أي إعاقة أخرى هو حل يتكون من كلمة واحدة: (التفهم)… يجب علي الآخرين تفهم مشكلة ومعاناة ضعاف السمع والصعوبات التي يمرون بها. كذلك المدارس والجامعات لابد لها من وضع لائحة أو قوانين تحث المعلمين على توفير المساعدات اللازمة للطلبة التي تعاني من مشاكل سمعية وغيرها. هذه الأمور أيضًا يجب تطبيقها علي الموظفين بالشركات وفي جهات العمل حيث كلما تقدمت للتدريب أو لوظيفة بالصيف في مكان ما، أتلقى مكالمات هاتفية من الجهة الذي تقدمت لها بالرغم من أني أنوه مسبقًا بالخطاب التحفيزي أن لدي ضعف سمع وأريد أن يتم التواصل معي من خلال البريد الإلكتروني والرسائل.

ما وصفته عن المدارس والجامعات وجهات العمل أيضًا ينطبق علي جميع الجهات التي يتصادف أن يتعامل معها أشخاص يعانون من مشكلة ضعف السمع.

ولكن بالرغم من كل شيء، أدين بالكثير إلي إعاقتي… لقد تعلمت الكثير، بداية من الاستقلال بالذات وصولاً إلى الصبر والشجاعة، ولكن كل ما في الأمر أنه في بعض الأحيان، يمحو اليأس كل ما تعلمته.

بقلم: ريم خورشيد

You might also like

أسلوب الحياة 0 Comments

مدينة الشارقة للخدمات اللإنسانية.. بانوراما إنسانية الا نسان

   مدينة الشارقة للخدمات اللإنسانية هي أحد مؤسسات المجلس الأعلى لشؤون الأسرة في إمارة الشارقة تقدم خدمات التمكين والتدريب والتعليم والتأهيل والتشغيل للأشخاص ذوي الإعاقة (معاقين وايتام) من مختلف الأعمار

أسلوب الحياة 0 Comments

العصا البيضاء..عيْنُ الكفيف وثقافةُ مجتمع

اليوم العالمي للعصا البيضاء: أعلن الاتحاد الدَوْلي للمكفوفين -الذي يُعَد أحد الأجهزة التابعة للأُمم المتحدة- الخامس عشر من تشرين الأول / أكتوبر مِن كل عام يوماً عالمياً للعصا البيضاء قانون

أسلوب الحياة 0 Comments

عشر نقاط يتوجب على الناس مراعاتها عند مقابلة أحد من ذوي الاحتياجات الخاصة

   عشر نقاط يتوجب على الناس مراعاتها عند مقابلة أحد من ذوي الاحتياجات الخاصة من الأمور المتعارف عليها أنَّ التفاعل المتواصل مع أُناس من بيئة وخلفية مختلفة يساعد على تحسين