لأننا متساوون

لأننا متساوون

تتقدم الشعوب والحضارات وتتزايد البشرية وتتمايز الثقافات وتتنوع الأصول والأعراق والألوان، ولا يغيب عن هذا التنوع والاختلاف الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يشكلون جزءاً لا يتجزء من هذا الكيان الكبير المسمى البشرية، وحَيثُ أن اللون والجنس والعِرْق والدين والأصول كانت ولا زالت سببًا للتمييز بين البشر تجاه بعضهم البعض، شَكَلت الإعاقة أيضًا سببًا لدى الغالبية للتمييز تجاه أصحابها سواء كان التمييز مباشرًا أو غير مباشر، مقصودًا أو غير مقصود، وقد نال هذا التمييز من جميع حقوق هؤلاء الأشخاص المدنية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية كما أنَّ هذا التمييز قد طال جميع مجالات حياتهم وفي أدق تفاصيلها .

إن الحديث في أسباب هذا التمييز قد يطول ليشمل الأسباب الاجتماعية ممثلة بموروثنا الثقافي السلبي حول الأشخاص ذوي الإعاقة وما نتبناه في أفكارنا ومعتقداتنا تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة من صورة نمطية يتمثل جُلهُا في النظر إليهم بوصفهم حالاتٍ مرضيةٍ أو أشخاصًا عاجزين يستحقون منا الشفقة والدعاء، كذلك تتمثل إشكالية غياب ثقافة حقوق الإنسان ضمن الأسباب التي تحول دون تمتعهم بحقوقهم، كما أن المبررات الاقتصادية غير الواقعية التي تتبناها الجهات الرسمية وغير الرسمية المختلفة تقف في وجه الأشخاص ذوي الإعاقة وتحرمهم من الوصول إلى حقوقهم على أساس من المساواة مع الآخرين، وسنخوض في مقالات لاحقة في واقعية هذه الأسباب وصحة طرحها بوصفها تبريراتٍ لعدم توفير أي من الحقوق لهذه الفئة .

ولأنه من الواجب أن نتفق دائمًا على أرضية مشتركة لحديثنا، وَجَبَ أن نبدأ أولى مقالاتنا بالحديث عن بعض المفاهيم المتعلقة بالإعاقة لننطلق فيما بعد لتناول أبعاًدا أخرى.

مفاهيم تُساهم في تحقيق المساواة :

قد يرفض الكثير من الناس مُصطلح “الأشخاص ذوي الإعاقة” إعتقادًا منهم أنه يُمثل  شكلاً من أشكال الإهانة والازدراء بسبب وجود كلمة “إعاقة” في التسمية، وقد يُفضل البعض أيضًا على ذلك تسميات مثل “أشخاص ذوي إحتياجات خاصة” أو “أصحاب الهِمَّة” أو غيرها من التسميات التي تعارفنا عليها فيما مضى بأنها ذات دلالة جمالية، لكن الحقيقة أن هذه التسميات تحتاج إلى مُراجعة لتتخطى مفهوم تجميل الصياغة وتخفيف وقعها على الأذن لتصل إلى تحقيق الفائدة وضمان الحقوق لهؤلاء الأشخاص، وذلك من خلال تبني تعريفات وتسميات تنبثق عن نهج حقوقي قائم على مبادئ حقوق الإنسان وقبولهم  بوصفهم جزءاً من التنوع البشري، لذلك جاء تعريف كلمة (إعاقة)بأنها: حالة من تداخل العوائق البيئية والحواجز السلوكية مع ما قد يكتنف الجسد من قصو، وهذا هو التعريف الذي تتبناه اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وهي إتفاقية حقوقية صدرت عن الأمم المتحدة عام 2006 وقد صادقت عليها غالبية دول العالم بما فيها الدول العربية، ويُعتبر التعريف في هذه الإتفاقية حجر الأساس وواحداً من أهم مرتكزاتها حيث أنه يتجه لإلغاء مسؤولية الشخص ذو الإعاقة في حالة عدم وصوله لحقوقه،  ذلك لكون السبب الحقيقي لهذا الحرمان هو ما يعترض هذا الشخص من عوائق بيئية أو توجهات وحواجز سلوكية .

ووفقًا لهذا التعريف الشمولي فإن العديد من الحالات قد تندرج تحت هذا المفهوم للإعاقة، فتشمل (الإعاقات المرئية) أي الإعاقات التي يمكن ملاحظتها وهي ما اعتدنا على اعتبارها كذلك الإعاقات البصرية أو الإعاقات السمعية أو الإعاقات الجسدية أو الإعاقات الذهنية المتعارف عليها خطأً بالإعاقات العقلية مثل “متلازمة داون، الشلل الدماغي،…إلخ” كما يندرج تحت هذا المفهوم نوع آخر من الإعاقات وهي (الإعاقات غير المرئية) مثل الإعاقات النفسية وبعض الأمراض مثل الفشل الكلوي، ذلك لأن في مثل هذه الحالات وفي ظل وجود بيئة غير مهيئة يُحرم الشخص من ممارسة حقوقه المختلفة، هذا ما جعل نسب الإعاقة العالمية ضمن إحصائيات منظمة الصحة العالمية تصل إلى 15% .

إن أهم إيجابيات هذا التعريف كونه يأتي بأثر عملي حيث أنه يوجه الدول باتجاه تبني متطلبات تعزز تمتع الأشخاص ذوي الإعاقة بمختلف حقوقهم من خلال تبني إجراءات محددة على مستوى السياسات والإستراتيجيات الوطنية، كما يُلزم مؤسسات الدولة على تضمين قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة ضمن خططها وإجراءاتها التنفيذية، ويقدم هذا التعريف مَدْخلاً لمفاهيم أخرى ذات علاقة مثل “التمييز على أساس الإعاقة” حيث يُشير هذا المفهوم إلى أي تمييز أو استبعاد أو تقييد على أساس الإعاقة يكون غرضه أو أثره إضعاف أو إحباط الاعتراف بكافة حقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، على قدم المساواة مع الآخرين، في الميادين السياسية والاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو المدنية أو أي ميدان آخر.

ومن أمثلة هذا الحرمان غياب التهيئة المادية كعدم وجود المنحدرات و/أو المداخل والمخارج المهيئة والآمنة و/أو المرافق الصحية المُهيئة و/أو الإشارات الإرشادية لطريقة برايل أو بلغة الإشارة، ترجمة الإشارة …إلخ، وأيضاً غياب التهيئة التكنولوجية والتهيئة المعلوماتية وغيرها من أشكال التهيئة التي سنفرد مقالاتٍ للحديث عنها لاحقًا.

وَنَحْنُ إذا ارتأينا أن نصل إلٰى تفعيل حقيقي لمبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص للأشخاص ذوي الإعاقة وإلغاء التمييز ضدهم، علينا أن نتبنى النهج الحقوقي وما يتضمنه من مفاهيم وما ينبثق عنها من آليات وخطط زمنية وإجراءات تنفيذية محددة على مستوى التشريعات والسياسات والممارسات الرسمية وغير الرسمية .

ملاحظة” إن الأفكار المُتَبناة في هذا المقال مستمدة من إتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة”

أنس اشتيوي

ناشط ومدرب في مجال حقوق الإنسان

You might also like

الأخبار 0 Comments

العزف على أوتار الحواس

     فيلم “العزف على أوتار الحواس” في ملتقى الخميس الإبداعي ضمن فعاليات ملتقى الخميس الإبداعي في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، عرض فيلم ” العزف على أوتار الحواس

الأخبار 0 Comments

معاناة الأشخاص ذوي الإعاقة من الحرب في اليمن

 حقيقة مرة ومؤلمة وحكايات مأساوية لواقع يعايشه الأشخاص ذوي الإعاقة في ظل حرب ضروس ونزاعات داخلية مسلحة بين مختلف الفصائل اليمنية في عدد من المحافظات كل ذلك وأكثر سبب معاناة

الأخبار 0 Comments

ذوي الاحتياجات الخاصة في جمهورية الصومال

 ساهم غياب حكومة مركزية في جعل الصومال من أفقر الدول وأكثرها عرضة للتقلبات في العالم وتتعرض أجزاء كبيرة من البلاد إلى أخطر موجات الجفاف منذ السبعينيات. مما يزيد من حدة