الإعلام الاجتماعي والإعاقة

الإعلام الاجتماعي والإعاقة

الإعلام الاجتماعي والإعاقة

الفيسبوك وإخوته

 

الإعلام الإجتماعي هو ” المواقع والتطبيقات التي تمكِّن المستخدمين من إنشاء المحتوى وتبادله أو المشاركة في الشبكات الاجتماعية”. (تعريف قاموس أوكسفورد)

إن دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في جميع جوانب المجتمع ومشاركتهم في الحياة السياسية والاجتماعية هو أحد أهم تحديات الديموقراطية والتنمية. هذا الهدف الذي يبدو في بعض الأحيان صعب التحقق؛ لوجود خلل رئيسي في فهم المجتمعات لقضية الإعاقة بالرغم من الجهود الرائعة المبذولة من المدافعين عن القضية.

ومع نمو دور الإعلام الاجتماعي وتأثيره في العقد الأخير بوصفه أحد أهم العوامل في دفع عجلة التنمية والديموقراطية، وبوصفه أداة رئيسية توفر المعلومات والمعرفة وتؤثر على اتجاهات المجتمع، وتلعب دورًا مهمًّا في تهيئة متطلبات التغيير عن طريق المساهمة في تكوين الوعي، وتغيير الصور النمطية للفئات المهمشة، فأصبحت قضية تناول الإعلام الاجتماعي لمفهوم الإعاقة قضية محورية؛ حيث يستخدم الإعلام الاجتماعي الكلمة والصورة، واللذين غالبًا ما يعكسا طريقة تفكيرنا ورؤيتنا، ويؤثروا في نظرة المجتمع لقضية ما.

فتلك الرؤية التي تجعلنا نكتب أو نتفاعل مع الأخبار والمنشورات على الفيسبوك والمواقع الشبيهة بطريقة معينة؛ تظهر قوة الكلمة وتأثيرها؛ ولذلك لن تكتمل مناقشة قضية الإعاقة في الإعلام إلا عندما ندرك الكيفية التي نرى بها الإعاقة، وما هو منظورنا للأشخاص ذوي الإعاقة!

نماذج ومناظير الإعاقة لماذا؟

يعتبر المنظور أو النموذج هو الإطار الذي يحدد كيفية فهمنا لقضايا الإعاقة، وكيف ننظر ونشعر تجاهه، وما هي تصوراتنا للتعامل مع الإعاقة والأشخاص ذوي الإعاقة.

لا يوجد نموذج واحد للإعاقة بل نماذج عدة تتطور وتتغير، وكل شخص يستخدم أحد نماذج الإعاقة أو مجموعة منها بشكل واعي أو غير واعي؛ فهو يؤثر في تفكيرنا وسلوكنا وطريقة كلامنا.

بعض تلك النماذج إيجابي ويساعد علي التفكير السليم، ولكن الكثير منها سلبي ويعكس الأساليب القديمة في حل المشكلات. وغالبًا ما تتحدد طريقة صياغة منشور أو رأي على وسائل الإعلام الاجتماعي طبقًا لتلك النماذج؛ لهذا فمن المهم دراسة تلك النماذج ومعرفتها وإدراك أي منها نتبع، كما أن تلك النماذج تزودنا بالأفكار حول التطور الزمني لتوجهات المجتمع حول الإعاقة.

توجد نماذج ومناظير عديدة للإعاقة، ولكن سنتطرق هنا لأكثر 4 مناظير تأثيرًا وأهمية:

  • المنظور الخيري
  • المنظور الطبي
  • المنظور الاجتماعي
  • المنظور الحقوقي

المنظور الخيري/ المأساة

يرى هذا النموذج أن الأشخاص ذوي الإعاقة ضحايا لإعاقاتهم، وأن وضعهم مأساوي ويعيشون معاناة كبيرة؛ لذا فهم يستحقون الشفقة ويجب الإحسان إليهم ليتمكنوا من العيش.

ينظر إلى الشخص ذوي الإعاقة بوصفه حزينًا ويعيش مأساة، أو مغلوبًا على أمره؛ أو عدوانيًّا وخطرًا وغير مأمون الجانب أو بوصفه “بركة”. ومن ثمَّ فأي شخص عندهم من ذوي الاحتياجات الخاصة هو شخص يحتاج إلي الحماية والرعاية والشفقة والإحسان، والتعاطف، والخدمات الخاصة، والمدارس الخاصة، والتبرعات الخيرية. ولكن للأسف كل هذا لن يُحدِثَ فرقًا في حياتهم، ولن يمكنهم من كسب عيشهم أو الإستقلال بطرق مفيدة ومثمرة لهم وللمجتمع.

يمثل هذا المنظور صورة سلبية ونمطية عن الأشخاص ذوي الإعاقة، ويشجيعهم على الاعتماد على الآخرين وليس على الاستقلالية. هذا المنظور ليس فقط ضارًّا بالأشخاص ذوي الإعاقة، ولكنه ضار أيضًا بالمجتمع؛ لأنه لا يوظف قدرات جزء كبير من أعضائه (أكثر من 10 %) ولا يستفيد منها.

 

مثال على تبني المنظور الخيري/ المأساة في الإعلام الاجتماعي

:تعليق على صورة سيدة تستخدم كرسيًّا متحركًا

تلك المعاقة المسكينة حبيسة الكرسي المتحرك لن تكون قادرة أبدًا على المشي كالأطفال الطبيعيين، ولن تجد من يرعاها عندما تكبر، وهي تحتاج لعطفنا ومساعدتنا

المنظور الطبي

النموذج الطبي (الفردي) يعتبر الأشخاص ذوي الإعاقة أشخاصًا لديهم مشكلات جسدية يجب معالجتها.

المشكلة تكمن في الأشخاص ذوي الإعاقة، فهم الذين يجب أن يتأقلموا ويتعايشوا مع العالم كما هو، ولحل هذه المشكلة فإنه من الضروري العمل على الفرد، بدءًا من تشخيص مرضه، وبذلك يصبح الشخص وحياته مجرد تشخيص طبي (أعمى، أصم، داون، …)

وهكذا ينظر إلى الاحتياجات الرئيسية لهم بوصفها خدمات طبية، بحيث يكون الهدف هو جعل الأشخاص ذوي الإعاقة ”طبيعيين“

وفي تلك الحالة يركز العاملون في المجال الطبي (والمجتمع كله) على الأشياء التي لا يستطيع الأشخاص ذوو الإعاقة القيام بها: لا يستطيع المشي، لا يمكن أن يرى، لا يستطيع الحديث.

:ويصبح هناك فقط حلان لمشكلة الإعاقة

  • إذا كان العلاج ممكنًا تستخدم كل طاقة الأسرة ومواردها لتحقيق ذلك.
  • وإذا لم يكن هناك علاج، فيعتبر هذا الأمر مأساة، ويفضل عزل الشخص في مراكز خاصة أو في البيت وتقديم خدمات له لتقليل المشكلات، دون التفكير في إمكانية دمجه في المجتمع.

 

مثال على المنظور الطبي في الإعلام

تعليق على صورة شخص يستخدم عصا بيضاء:

” يجب علاج هذا المعاق ليستطيع أن يكون شخصًا طبيعيًّا، وإن لم نستطع علاجه فيجب إلحاقه ببيت للعجزة والمعاقين، حيث يتم تلبية احتياجاته الأساسية”

المنظور الاجتماعي

النموذج الاجتماعي يري الإعاقة باعتبارها نتيجة لطريقة تنظيم المجتمع، وأي قصور في المجتمع يعني أن الأشخاص ذوي الإعاقة يواجهون الأنواع الآتية من التمييز والحواجز التي تحول دون المشاركة:

  • الاتجاهات: ويتمثل في سلوك أفراد المجتمع تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة (الخوف والجهل والتوقعات المنخفضة)
  • البيئة المحيطة: وتتمثل في عدم الإمكانية المادية للانتقال، والتي تؤثر على جميع جوانب الحياة (السوق والمحلات التجارية والمباني العامة وأماكن العبادة، ووسائل النقل، إلخ)
  • المؤسسات: وهذا يعني التمييز في القانون أو النظم. حيث يتم استبعاد الأشخاص ذوي الإعاقة من حقوق معينة (مثل عدم السماح بالمشاركة السياسية، أو التعليم، إلخ)

في إطار هذا النموذج الاجتماعي فإن الشخص ذا الإعاقة يكون في موقف معيق، ليس بسبب حالته الطبية وإنما بسبب موقف المجتمع منه، والبيئات المادية والاجتماعية المحيطة به.

ويؤمن هذا النموذج بأن ليس كل المشكلات يمكن حلها، وليس من الممكن جعل جميع الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية يمشون، أو جعل جميع الناس يبصرون؛ ولكن توفير الميسرات وإزالة الحواجز أمام الجميع مما يمكنهم من المشاركة في المجتمع؛ ومن ثم يمكن للنموذج الاجتماعي أن يكون أداة مفيدة للأشخاص ذوي الإعاقة لإجراء تغييرات إيجابية في حياتهم.

مثال على المنظور الاجتماعي في الإعلام:

تعليق على صورة سيدة تستخدم لغة الإشارة:

“على المجتمع أن يوفر التهيئة البيئية التي تسمح لتلك المرأة ذات الإعاقة بالمشاركة في المجتمع”

المنظور الحقوقي

هذا النموذج مرتبط بالنموذج الاجتماعي ومتأثر به، ولكنه يركز أكثر على تفعيل وتلبية حقوق الإنسان، ويستخدم إطار حقوق الإنسان منظورًا لمختلف الأمور، ويربط الحقوق بكل القضايا وجوانب العمل.

ويتميز هذا المنظور بأنه منظور كلي وشمولي؛ حيث يشمل الحقوق المدنية والسياسية، والحق في التصويت والتعبير، وما إلى ذلك. وكذلك يشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والحق في الصحة والتعليم، وما إلى ذلك.

ويأخذ بعين الاعتبار جميع ما يرد تحت زاوية حقوق الإنسان: حيث يمتلك الجميع نفس الحقوق، ولا بد أن تتاح للجميع نفس فرص الوصول إلى تلك الحقوق.

 ويختلف هذا المنظور عما سبق في أنه يعترف بأن الإعاقة تشكل جزءاً متأصلًا في المجتمع، وأت التعامل مع الإعاقة يجب أن ينبع من تكافؤ الفرص، والمشاركة الاجتماعية؛ لتحقيق المشاركة الكاملة والفعالة.

كيف يتم تناول قضايا الإعاقة من منظور حقوقي؟

يجب أولًا تحليل الموقف بناءً على المسئولية: ما هو الحق الذي نتناوله؟ ومن هم أصحاب هذا الحق؟ ومن المسئول عن التأكد من احترام هذا الحق؟ وما هي المسئوليات التي يجب الالتزام بها؟ ولم؟ وأخيرًا كيف يمكن التأكد من الالتزام باحترام هذا الحق؟

 

مثال على المنظور الحقوقي في الإعلام

“عندما يكون من حق هذا الرجل -من ذوي الإعاقة- الحصول على فرص متكافئة في العمل؛ فيجب على صاحب العمل أن يوفر له فرصًا مناسبة؛ ليتمكن من المشاركة مثل أي مواطن آخر”

ماذا بعد؟

إن الطريقة التي يتم بها تصوير الإعاقة في وسائل الإعلام الاجتماعي تلعب دورًا رئيسيًّا في تشكيل إدراك المجتمع الحديث لقضايا الإعاقة، وتؤثر بشكل كبير في الطريقة التي يعامل بها المجتمع الأشخاص ذوي الإعاقة. وقد بينت أبحاث كثيرة كيف كان الإعلام التقليدي لوقت طويل السبب الرئيسي لتعزيز الصور والأفكار السلبية فيما يتعلق بالأشخاص ذوي الإعاقة؛ لهذا سيخسر المجتمع كثيرا إن أكمل الإعلام الاجتماعي هذا الدور السلبي.

 

ماذا نستطيع أن نفعل؟

  • ندرك هذا التأثير ونعمل جاهدين على التعريف بتلك النماذج، وإدراك كيف يتأثر و يؤثر تناولنا لقضايا الإعاقة بها.
  • تصميم أدلة وتدريبات وتطويرها لفهم كيفية تناول قضايا الإعاقة في الإعلام الاجتماعي (لمؤسسة نجوم الأمل فلسطين تجربة رائدة في تصميم أدلة في هذا الموضوع).
  • الإتفاق على ميثاق شرف لتحديد ما يعتبر مقبولًا أو غير مقبول في هذا التناول؛ لمساعدة مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي على تجنب التمييز غير المقصود ضد الأشخاص ذوي الإعاقة.
  • التواصل مع صاحب الحق والمنظمات الممثلة له (الأشخاص ذوي الإعاقة ومنظماتهم)؛ لاستطلاع الرأي، وتبادل المعرفة، ومواكبة التغيير في مفهوم الإعاقة.
  • دعم أبحاث الإعلام والإعاقة لدراسة تناول الإعلام لقضايا الإعاقة بشكل علمي.
  • بقلم:أحمد غانم

[1] المقالة مبنية على خلفية ورقة حول مناظير الاعاقة والإعلام، قدمها المؤلف في مؤتمر “الإعاقة في عيون الإعلام والمجتمع”  مصر 2015

You might also like

أسئلة و أجوبة 0 Comments

حقائق عن حياة المكفوفين في العالم العربي

وفق تقارير منظمة الصحة العالمية، فإنَّ 45 مليون شخص  تقريبًا حول العالم فاقدو البصر بشكل كامل، وما يزيد عن 285 مليون شخص حول العالم يعانون من إعاقات بصرية، كما أن

أسئلة و أجوبة 0 Comments

(اضطراب (نقص الانتباه وفرط الحركة

Attention Deficit Hyperactivity Disorder(ADHD) (اضطراب (نقص الانتباه وفرط الحركة إن اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة هو اضطرابٌ يصيب الأطفالَ قبل سن السابعة، ويستمر معهم إلى مرحلة البلوغ. تندرج مشاكله تحت:

أسئلة و أجوبة 0 Comments

متلازمة داون

#