بداية تينو

بداية تينو

مرحبًا! حان موعد لقائنا الشهري، ذلك الموعد المقدس بالنسبة لي، الممتع بلقائكم.

هأنا أستمتع باستعادة ذكريات مغامرات تينو وذكرياتي الجميلة في تنشئته، وما يصلني من ردودكم هو ما يشجعني على المضي قدمًا في الكتابة.

أعود بالذاكرة معكم إلى مقالي الأول عندما ذكرتُ لكم أن زوجي أخبرني بعد مرور أربعين يومًا بأن تينو من ذوي الاحتياجات الخاصة، وعرفت من سكرتيرته لاحقًا أنه قد أبلغها قبل موعد إخباري بأنه سيتغيب لفترة أسبوع على الأقل؛ لأنه كان يخشى ردة فعلي وعدم تقبلي للأمر، رفضي لتينو قد يكون اكتئابًا أو ربما الأسوء. كل هذا كان بناءً على ما أخبره به الطبيب عن بعض ردود الأفعال التي تصيب الأمهات عادة في مثل هذه الظروف.

حقًّا أقول إنه لولا وجود أدهم وأهلي إلى جانبي فلربما ردة فعلي كانت واحدة من ردود الأفعال السابق ذكرها، ولكن إيماني بالله ويقيني ساعدني في تخطي الصعاب، وما زلت أؤمن بأن الله أراد أن يكون “تينو” بيننا ليحظى بذلك الحنان والاهتمام الذي يستحقه.

عدنا إلى بيروت في اليوم التالي وعاد زوجي إلى عمله وبدأت رحلة البحث، لم تكن الأمور ميسرة كما هي الآن من حيث تقنية المعلومات، فالسيد غوغل لم يكن نشطًا وحاضرًا للإجابة على الأسئلة فورًا كما هو الحال الآن؛ لذا توجب علينا أن نقوم بزيارة المراكز المختصة كي نحصل على الإجابات، والتي لم تكن كما يجب أن تكون في أغلب الأحيان! مرحلة لم تخلُ من الصدمات والمصادمات، فليست جميع المراكز المختصة مختصةً فعلًا، وليس كل من يرأسها من ذوي الكفاءة في هذا المجال للأسف؛ فلقد كنا بالنسبة لبعض الناس مجرد رقم جديد وطفل جديد يضاف إلى لائحة “الزبائن”، والبعض الآخر كان يقابل تساؤلاتنا بسخرية دون الأخذ بعين الاعتبار حالة الضياع التي نعيشها.

وهأنا أذكر أول زيارة قمنا بها لأحد أشهر المراكز اللبنانية المدعومة من الدولة، فلقد تمت مقابلتنا على مرحلتين: الأولى: كانت مع مديرة المركز، والتي أجابت بكل لطف على تساؤلاتنا.

وفي نهاية الحديث سألتني: سلام ما الذي تتوقعينه من تينو؟ كيف سيكون مستقبله في رأيك؟

أجبت إجابة الأم المحبة لطفلها: أتمنى أن يكون بخير وأن يتم تعليمه الجامعي.

لا أستطيع أن أصف لكم ملامحها حين أجابتني: الجامعة؟! مستحيل! إن شخصًا من مليون شخص ربما يستطيع فعل ذلك!

أجبتها: ولم لا يكون تينو هو هذا الشخص؟!

في هذه اللحظة اختفى لطفها ولباقتها وردت بكل قسوة: لا تحلمي كثيرًا، ولا تتوقعي منه أكثر من أن يعيش ليأكل ويشرب، وربما يستطيع تعلم صنع سلال من القش.

انتهى لقاؤنا بأن حولتني إلى طبيب الأطفال التابع للمركز، والذي لم يكن أفضل منها لباقةً؛ فلم أصادف شخصًا قط منعدم اللباقة مثله، فمن الواضح أن مديرة المركز أخبرته بما جرى بيننا، وكان عليه استكمال ما بدأته، ولكن الموضوع لم يستمر طويلًا لأن زوجي أخرجني من العيادة قبل أن أقدم على تصرف يتناسب ومستوى لباقتهم!

فللأسف كانت هذه النماذج موجودة بكثرة في تلك الفترة. والحمد لله على أن الوعي قد زاد، وأن الجمعيات والمراكز بدأت في تعيين مختصين في تربية الأطفال ممن يفهمون أهمية التدخل المبكر، وأن الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة لديهم قابلية التعلم والتفوق أحيانًا.

هل تعلمون يا أصدقائي أن كل الأمور تختلف حسب نظرتنا إليها وتعاملنا معها، وأن التعامل بإيجابية مع الموضوعات حتى الصعبة منها، وخاصةً الحالات التي لا نملك قدرة على تغييرها، بل فقط التحسين والتكيف معها. وهذا بالضبط ما انتهجناه في التعامل مع وقائع حياتنا اليومية، وأعتقد بأن السبب في ذلك يعود إلى إيجابية أدهم وخفة ظله، فهو الوحيد القادر على تغيير وقع الحدث؛ فتصبح الحياة ألطف وأجمل.

كان الطبيب قد أخبرني بأننا مع المحاولة الدائمة والتكرار سنقلص الفارق الزمني بين تينو بحالته والأطفال الآخرين، بمعنى أنني إذا أردت أن أدربه على شيء فما عليَّ إلا أن أبدأ مبكرًا بجهد أكبر طبعًا، وهذا ما بدأته بالفعل؛ فأثمر خيرًا بدايةً من تلك الأمور اليومية البسيطة مثل النطق، وصولاً إلى المشي؛ ومن ثم النظافة الشخصية.

وإليكم هذا المثال: كلنا يعلم أن المناغاة (الأصوات الأولى التي يصدرها الطفل) تبدأ في نهاية الشهر الثالث، أما في حالة تينو فالمناغاة بدأت مع بداية شهر أغسطس، وكان تينو قد بلغ حينها شهره الرابع! لقد غرد تينو، أمسكت هاتفي واتصلت بزوجي لأخبره وأبشره بأول إنجازات تينو البطل: آلو، أدهم تينو بلش يناغي يلا تعى بسرعة عشان تسمعه. أجابني زوجي: هي وقفت ع تينو أنت هلكتي الجيران أغ أغ كل الوقت، بفضلك الحي كله صار عم يناغي.

إلى كل الأمهات والآباء الجدد وحدوا الجهود، وتيقنوا بأن الله معكم، ولحسن حظكم فإن التقنيات الحديثة والتخصصات الجديدة أصبحت في متناول يد الجميع بكل سهولة، فبمجرد كبسة زر تستطيع الاطلاع على التجارب في طرق التعامل مع الحالات المشابهة ومدى فعاليتها. يجب علينا فرض حق أبنائنا في الحياة؛ للعيش بكل حرية دون الحكم المسبق على قدراتهم بوعي الأشخاص المحدود وثقافتهم غير المكتملة في هذا المجال. تكاتفوا جميعًا لتواجهوا محيطكم بكل بثقة وإصرار مدعم بالطموح والعزيمة. كونوا على يقينٍ تام بأن حصاد هذا الجهد هو سعادة المجتمع مستقبلًا؛ حيث إن حسن التعامل والإصرار في مثل هذه الحالات ينعكس على الأسرة بأكملها، وسعادة هذه الأسرة جزء لا يتجزأ من مجتمع راض سعيد؛ حيث إن الأسرة نواة المجتمع، إن حسنت حسن وإن ساءت فقد ساء. وإلى لقاء قريب.

سلام الحاج

You might also like

العلاقات الأسرية 0 Comments

 خمسة أشياء لايعرفها سوى أشقاء شخص ذي إعاقة

  خمسة أشياء لا يعرفها سوى أشقاء شخص ذي إعاقة إن وجود أشقاء في حياتك أمرٌ رائع ولكنه فِي بعض الأحيان يكون أمرًا مُحبِطًا. ولكن هل تساءلتَ يومًا: إذا كان

العلاقات الأسرية 0 Comments

هل حقًّا الزواج هو حلم كل شخص؟

إن الزواج مسألة بالغة الأهمية لدى كثير من العرب، ويشكل جانبًا أساسيًّا في حياتهم. لكن الزواج بالنسبة للشخص المعاق يحمل مفهومًا مختلفًا تمامًا، فبصفتي امرأة ولدت بإعاقة جسدية فقد شعرت أن

العلاقات الأسرية 0 Comments

الصبر والمثابرة

منذ أن ولد علي وعلمت أن لديه متلازمة داون.. كان كل همي هو فعل المستحيل من أجله ومن أجل أن يكون طفلاً صالحاً في مجتمعنا! وكان كل همي عدم التقصير