Archive March 2017

أن تنتمي على الرغم من جسدك

أن تنتمي على الرغم من جسدك

(أن تنتمي على الرغم من جسدك)

 

إن الصورة التي تتولد بداخلك عن جسدك، والثقة بالنفس لهما العاملان اللذان يؤثر أحدهما في الآخر؛ فإن كنت أنت راضيًا عن جسمك فستنشر هذه الثقة وتشعها حواليك. ولكن الأمور ليست بهذا اليسر في حقيقة الأمر، وهذا ينطبق على الجميع من ذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم، ولكنني أخص بالذكر الصراع الذي يعيشه ذوو الإعاقة.

وهنا تكمن المعضلة فغريزة الإنسان الطبيعية هي أن تحب نفسك، ولكن ماذا يحدث عندما تفشل هيئة جسمك أو صورته في تحقيق أمر يفترض أن يكون بداخلك؟ ستجد نفسك عندئذ محاصرًا بين ازدواجية الكراهية والحب، صراع داخلي من الممكن أن يدمر في نهاية المطاف ثقتك بنفسك أو نفسك ذاتها؛ مما يؤدي إلى الانطواء والعزلة وإن كنت محاطًا بالكثيرين.

ومن الصعب بالنسبة إلى بعض الشباب من ذوي الاحتياجات الخاصة أن يشعروا بالثقة في أجسامهم، خاصة عندما تكون الإعاقة جسدية، وأعترف أني مررت بهذه المرحلة فترة المراهقة؛ فلم أكن أدرك أنني مختلفة عن الآخرين إلى أن وصل الجنف (مَيَلَانٌ جانِبيٌّ في العَمُودِ الفِقْرِيِّ) إلى مرحلة متقدمة، وأصبح وزني قليلًا بالنسبة إلى عمري؛ لوجود ضمور في العضلات منعني من المشي. لم أهتم بالمشي كثيرًا ولكنني انزعجت من انحناء ظهري، وكرهت نفسي عندما اضطررت لارتداء دعامة؛ لشعوري بأنني مختلفة، ومنعزلة تمامًا.

وبعد إجراء عملية التحام للعمود الفقري اعتقدت أن الأمور قد تتغير بالنسبة لي، ولكن العملية لم تنجح، حيث أصبح حال ظهري أسوأ عن ذي قبل، وكان ذلك في نفس الوقت الذي بدأتُ فيه دراستي في مدرسة ثانوية عادية، بعد أن كنت في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة؛ حيث كان الطلاب أكثر تقبلًا لحالتي هذه. تجدر الإشارة هنا إلى أن ذوي الإعاقة أيضًا من الممكن أن يكونوا قساة مثل أي شخص آخر؛ وهذا لأن الإعاقة لم تكن لتمنعهم أيضًا من الحكم على الآخرين.

لقد عانيت كثيرًا في المدرسة، ولكني لم أسمح لأحد أن يلاحظ ذلك، أو يعلق عليه، وكنت أعرف أن الاستمرار في الوجود في مثل هذه البيئة يحتم علي ألا أظهر ضعفي أو عدم مقدرتي، وكثيرًا ما سمعت طلابًا آخرين يسخرون مني ويستهزئون بي، كأن يقول بعضهم لبعض: “يا هذا؟ هل هذه أمك؟” أو “هذه صديقتك”، بطريقة المزاح التقليدية للأولاد. في حين أن الفتيات كانوا يضحكون على حذر، ويقولون أشياء مماثلة ولكن بصوت خفيض، وكنت دائمًا أحس بما يقولون حتى وإن لم أسمعهم، وأتظاهر بعدم الملاحظة لأنني أعرف أنني لا يمكنني مواجهتهم.

لم أكره هؤلاء الطلاب، وفي الواقع ضحكت سرًّا على نكاتهم، وكذلك لا أستطيع أن ألومهم كليًّا؛ لأننا نعيش في هوس ثقافة “الجسد المثالي” . ففي كل مكان نلاحظ صورة الجسم المثالي التي تم التركيز عليها من قبل وسائل الإعلام والمشاهير، كل ما رأيته على شاشة التلفزيون كان لأجسام متميزة أو عادية أو محببة أو مطلوبة، بيد أنني لا أتذكر أنني رأيت شخصًا معاقًا واحدًا حظي بالاهتمام والرغبة المماثلة.

لم يكن لدي خطة للتعامل مع هذه السخرية اليومية، وبمرور الأيام ازدادت كراهيتي للمرايا، فكنت أتهرب من النظر إليها، وحينها اكتشفت أن ما لا أستطيع رؤيته لا يمكن أن يضعفني.

فتعلمت أن أتجاهل هؤلاء الناس، وأسعى إلى أن أكون أقوى من تصرفاتهم السطحية؛ فدرست بجدية كبيرة، وبرعت في معظم المواد الدراسية، وببطء زادت ثقتي بنفسي، ووصلت هذه الثقة ذروتها عندما طلب هؤلاء الطلاب أنفسهم مساعدتي في أداء واجباتهم المدرسية أو تدريسهم، وبعدها أن نكون أصدقاء. سامحتهم وقبلت صداقتهم، وأيقنت أن سخريتهم كانت -بشكل ما- آلية دفاعية، تحمي ضعفهم ومخاوفهم بشأن مظهرهم؛ فلا يوجد أحد مثاليًّا، ونحن جميعًا لدينا أشياء في أجسامنا لا تعجبنا، لكنني تعلمت أن ما لا يمكنك أن تراه سيتجاهله الآخر أيضًا وإن استغرق الأمر بعض الوقت. فلقد تجاهلتُ التعليقات التي وصلت إلى أذني، وتوقفت عن النظر في المرآة وفحص جسدي، وركزت على الأشياء التي اخترتها، مما اضطر الآخرين للرضوخ إلى ثقتي بنفسي.

وبعد سنوات أصبحت أقوى، وكل ما تحملته وقت طفولتي ومراهقتي جعلني جاهزة للتعامل مع مثل هؤلاء الناس، وأدركت أنهم سيكونون موجودين دائمًا في أشكالٍ مختلفة. فبدلًا من التهكم كنت أسمع تعليقات مثل: “فقط لو لم تكوني هكذا؟! “وماذا قال الأطباء؟

وتعلمت أيضًا أن أسامح هؤلاء الناس، فهم محصورون في عالم ضيق، عالم يجعل من الاختلاف مفهومًا مخيفًا بالنسبة لهم؛ فلم يعد حبسي في جسم غير مرغوب فيه هو المشكلة، ولكن مشكلتي كانت في تعاملي مع أنواع من البشر جامدة قاسية تقليدية.

ذهبت مؤخرًا لرؤية مسرحية “الرجل الفيل” في المسرح، وخرجت منها بجملة تتردد بداخلي إلى الآن، وهي: “أحيانًا أعتقد أن رأسي كبير جدًّا لأنه مليء بالأحلام”. وقد قيل لي دائما أن رأسي أكبر من جسدي لأنه مليء بالمعلومات، ولكن الجلوس في المسرح والاستماع إلى هذه الجملة أعاد لي كثيرًا من الذكريات، كنت قد اخترت كتمان بعضها منذ زمن.

جسدي ملكي، وكيفما كان شكله سأتقبله وأحميه من الآخرين، ولكنني لن أكذب أو أتجمل فأنا عندما أتألم أنزعج جدًّا من جسدي، بيد أنني لا أنفك عن تقدير قيمته؛ فقد منحني جسدي القوة التي يفتقر إليها كثيرون بأجسادهم الطبيعية، فسمح لي باكتشاف الناس ومعرفتهم على حقيقتهم، ومنحني العزيمة لأثبت للعالم أن وجود جسد مثالي لا يضمن لك مستقبلًا مثاليًّا. وبعيدًا عن الانحياز أو التحامل فقد رسمت عالـمًا وهميًّا في رأسي لتجنب النظرات غير المريحة، وحلمت بأنني أتقدم في كل مسار أسلكه، وأنني أتعامل مع الرفض الذي يسببه مظهري غالبًا.

اليوم أنا محصنة ضد الأذى، وممتنة لجسدي؛ لأنني بدونه لم أكن ما أنا عليه اليوم

بقلم: ريـــــــــا الجــــادر

عيد الأم

عيد الأم

عيد الأم

فِي مثل هذا اليوم من السنة اعتاد الناس على تقديم الهدايا والزهور ممزوجة بمشاعر المحبة للأمهات. ولكن علينا أن نعلم أن الأمومة ليست أمرًا سهلًا، خاصة إذا كان لدى الأم طفلٌ معاق. فهل يجب علينا إلقاء اللوم على الأمهات اللواتي تخلين عن أطفالهم المعاقين؟

لقد قرأت كثيرًا من المقالات والتقارير طوال السنوات الماضية حول الصعوبات التي تواجهها الأمهات مع أطفالهم المعاقين، ويبدو أن الصورة المعبرة عن معاناة هؤلاء الأمهات في وسائل الإعلام قد خرجت بنتائج إيجابية!
فهذه المقالات غالبًا ما تؤدي إلى زيادة الشعور بالذنب والعجز الموجود بالفعل عند كثير من المعاقين، فلقد حمَّلتُ نفسي لسنوات طويلة ذنبَ كوني عبئًا ثقيلًا على والدتي، “عبئًا” على إنسانة لم تتركني وحيدة، فقد كانت إلى جانبي ليلًا ونهارًا ، لازَمَت سريري عند مرضي، ورافقتني إلى كل موعد في المستشفى. هذه الصور كانت دائمًا في رأسي تطاردني: صور نومها على كرسي المستشفى بجانب سريري، أو صورتها عندما تترك سريرها للعناية بي، حتى إنها تعاملت مع مواقف الناس السلبية تجاهي دون أن تجعلني أشعر بذلك.
ومتأكدة من أن ما أشعر به ليس شعوري وحدي بل إنه شعور أي معاق مر بهذه التجربة منذ طفولته؛ فنحن نرى أمهاتنا يتقدمن في السن ويصبحن أضعف بدنًا، وهذا يجعلنا نحس بالذنب أكثر تجاه ما يصيبهن من آلام في الظهر أو ضعف في الساقين، ولا يوجد مفر من هذا الذنب؛ فرعايتهن لنا مستمرة.
هذا الشعور بالذنب يلازمنا باستمرار، خاصة عندما تشير وسائل الإعلام والمجتمع إلى أن الأم التي تتخلى عن طفلها المعاق هي أم أنانية قاسية، وتلك التي لا تتخلى عنه يتم تصويرها بوصفها إنسانة ضحت كثيرًا، وقامت بعمل نبيل يصعب على معظم الناس تحمله.
ولكن هاتين الصورتين لا تمثلان الحقيقة؛ فليست كل أم قد تخلت عن طفلها المعاق هي إنسانة أنانية، كما أنه ليست كل من التزمت برعاية طفل معاق هي أم متفانية مضحية؛ فربما يدفعها الحب لتقديم تضحيات كبيرة ضمانًا لأفضل رعاية تقدم لطفلها المعاق بعيدًا عن شعورها بالذنب، ولكن يبدو أن هذا الأمر ليس مهمًّا بالنسبة لأولئك الذين يصدرون أحكامًا على الآخرين، ويتجاهلون الظروف الخاصة والفريدة لكل إنسان.
بطريقة مماثلة، ليست كل أم تختار البقاء إلى جانب طفلها تستحق الثناء! أيجب أن نمدح أمهات الأطفال الطبيعيين على رعايتهم لأطفالهم؟! إذن لِـمَ التمييز؟
كما أن عطاء الأم لطفلها المعاق يحمل كثيرًا من الإيجابيات، مثل الإحساس المستمر بالمسئولية تجاه الأم التي لديها طفل معاق.
المفارقة هنا تكمن في حقيقة أن المجتمع ووسائل الإعلام المختلفة تقوم بتصوير أمهات الأطفال المعاقين على أنهن أكثر معاناةً وعملًا وتضحيةً، وفِي نفس الوقت تشن الهجمات الأكثر قساوة على الأمهات اللواتي يتخذن أصعب القرارات في التخلي عن أطفالهن. ما هي الرسالة التي نفهمها إذن من مثل هذه المواقف؟ الرسالة هي أنك –بوصفك أمًّا لطفل مُعاق- ستعانين كثيرًا، وسنقابل نحن معاناتك بالإعجاب، أما غير هذا فلا، فيجب عليك الرضا بقَدَرك وإلا ستوصفين بالأنانية وقسوة القلب.
وهنا أتساءل عما إذا كان الناس الذين يتخذون مثل هذه الأحكام المتسرعة قد فكروا في الضغوط الناجمة عن حجم هذه المسئولية، إلى جانب الجهد والإرهاق الذي ينجم عن وجود طفل معاق، وليس من الضروري أن يكون ذلك بسبب العناية الخاصة بالطفل ولكن من سلوكيات الناس ومواقفهم تجاه الطفل المعاق.
عندما كنت طفلة كثيرًا ما كان الناس يحدقون في وجهي ويعلقون على حالتي، وكثيرًا ما كانت تسمعهم والدتي. هذه التعليقات كانت تجعلها تشعر وكأنها إنسانة “فاشلة”؛ لأن جميع الأمهات قد قاموا بإنجاز عظيم يتمثل في إنجاب طفل بصحة جيدة باستثنائها! وأنها هي المُلومة بطريقة ما أو بأخرى. وحقًّا ليس كل إنسان لديه القدرة على التعامل مع مثل هذه المواقف. والدتي لديها شخصية قوية وتمتلك دعمًا كبيرًا، فليس الجميع محظوظين مثلها.
وقد قرأتُ مؤخرًا مقالين في صحيفة تحدثت عن اثنتين من الأمهات اللواتي لديهن أبناء معاقون، الاثنان ولدوا بمتلازمة داون. إحدى الأمهات تخلت عن ابنها عند الولادة؛ لأن في أرمينيا يتم إعطاء خيار للأُم فيما إذا كانت ترغب في العودة للبيت مع طفلها المعاق أو تركه في المستشفى للعثور على عائلة مستعدة لتبنيه.
الأُم الثانية أبقت ابنها معها، عمره الآن سبعة وأربعون عامًا، ولكنها ندمت على قرارها، وقالت إنها كانت ستفضل إجهاضه أو منحه لعائلة تتبناه لو أنها عرفت حجم المجهود والمعاناة التي ستتحملها، وعَلَّقَت قائلة: “على الرغم من أنني أحب ابني وأرعاه ، لكنني أعلم أن حياتنا كانت ستكون أكثر سعادة وأقل تعقيدًا بدونه، وربما كنت أنجبت طفلًا آخر وعشنا حياة أسرية طبيعية، وسيكون أندرو -ابني الآخر- مرتاحًا، فلا يتحمل مسئولية أخيه بعد رحيلنا”. الوالدة شرحت كل التأثيرات العاطفية والجسدية والعقلية التي مرت بها، حتى تعرضها لانهيار عصبي.


لذلك وباعتباري شخصًا معاقًا، أستطيع أن أفهم لماذا تتخلى بعض الأمهات عن أطفالهن، في رأيي أنه من الأفضل أن تتركي طفلك على أن يتم تربيته باستياء وغضب؛ لأن الطفل حساس وحتمًا سيشعر بهذا التوتر والاستياء، وعندها فشعوره بالذنب سينمو ويترعرع داخله طوال حياته؛ مما يؤدي إلى وضع بائس للجميع.
التخلي عن الطفل المعاق ليس دومًا عملًا أنانيًّا، وحبك للطفل سيُوجِّهُك إما للتضحية بالأمومة حتى يحصل طفلك على الحب والرعاية التي قد لا تكونين قادرة على توفيرها له، أو تحمل هذه المشقة والمعاناة بحب ورضا وقدرة حقيقية. فنحن جميعًا ولدنا مختلفين، بقدرات وقابليات مختلفة، وليس لدى كل أم المقدرة الذاتية والاستعداد الكامل للتعامل مع الطفل المعاق، وهذا ليس خطئًا أو عيبًا؛ إنما فطرة وهبة وقدرة إما أن تكون لديك أو لا، فهو يشبه أن يولد المرء بميزة معينة تميزه عن غيره، وعند الافتقار إلى هذه الميزة مع وجود هذا الحمل يجعلنا بالطبع أمهات غير طبيعيين.
الأمومة شيء عظيم، ولكنها ليست للجميع؛ فأنا لم أشعر قط بغريزة الأمومة أو الرغبة في طفل على الرغم من أنني أحب أولاد إخوتي وبناتهم، ولكنني أعرف أن الأمومة ليست لي، وهذا لا يجعلني أنانية؛ لأنه الاختيار الذي أشعر أنه أكثر ملاءمة لنمط حياتي.
وعلى نفس المنوال، فإن الأمهات اللواتي يربين أطفالهن المعاقين أحرار مثل اللواتي تخلوا عنهم، كلهن غير مذنبات، ولا ينبغي علينا أن نحكم عليهن لمجرد أننا لا نعيش في نفس أوضاعهن، أو لا نعرف قصتهن الكاملة.

بقلم: ريـــــا الجــادر

صوت الحياة المختلفة

صوت الحياة المختلفة

  مؤسس شبكة و راديو صوت المعاق.. مؤسس لشركة كراسي متحركة..طموح.. مجتهد.. شغوف.. ناشط.. أب محب لأسرته

    (إنه (شريف ياسين 

من أنت في بضعة أسطر؟ 

شريف ياسين، أبلغ من العمر 33عامًا، أقيم بمدينة العبور، القاهرة، مصر

 ما هي نوعية الإعاقة لديك وسببها؟ وكيف تؤثر على معيشتك ؟

لقد أخطأ الطبيب أثناء عملية الولادة بإصابتي بآلة حادة فى الرأس أدت إلى نقص الأكسجين للمخ، الشيئ الذى جعلني أعانى من شلل رباعى وتلعثم بالكلام إلى وقتنا هذا

 أخبرنا القليل عن طفولتك وكيف تعامل والديك وأفراد أسرتك معك؟ وما الدعم الذي قدموه لك؟

لقد استطاعا والداي بفضل من الله أن يجعلاني أعيش طفولة طبيعية مليئة بالمرح واللعب والأصدقاء وتنمية المواهب، فكل هذا كان له أثر إيجابى على نفسيتى كطفل وكذلك تفوقي بالدراسة، الشيئ الذى أجبر الآخرين على أن ينظروا إلي بشكل به إعجاب ومحبة وتقدير.

 هل واجهت أي نوع من أنواع التنمر في صغرك سواء في المدرسة أوفي الشارع ؟ وكيف تعاملت معه؟

كانت بدايات الأشياء هى دائمًا الأصعب بالنسبة لي، فكانت هناك صعوبة في الإلتحاق بالمدرسة في البداية، كذلك أول يوم من كل سنة دراسية بها بعض التجنب والترقب وبعض الهجاء، إلى أن أثبت وجودي، وأبدأ بالتعامل سواء فى الجانب الدراسي مع المدرسين أو الإنسانى مع الأصدقاء فيتحول الأمر إلى وضع طبيعي، أما فى الشارع فلم يكن الأمر يشغل بالى على الإطلاق.

 ما الصعوبات التي واجهتك على مدار مراحل دراستك المختلفة منذ المرحلة الابتدائية حتى تخرجك من الجامعة؟ وأي مرحلة دراسية كانت الأصعب بالنسبة لك؟

لم أواجه أي صعوبات تذكرفي مراحل الدراسة حتى المرحلة الجامعية، فكنت أعتمد على والديّ وأصدقائي المقربين فى التنقل، إلا أن صعوبة التنقل بدأت فى الظهور مع مرحلة الدراسات العليا، بسبب تقدم سن أبي وأمي وفقداني للأصدقاء الذين كانوا معي منذ مراحل المدرسة وحتى مرحلة الجامعة، فمرحلة الدراسات العليا كانت بها صعوبات تنقل بالإضافة إلى صعوبة التوفيق بين الدراسة والعمل.

شبكة وراديو صوت المعاق) كيف ولدت الفكرة وكيف نفذتها؟ وما الهدف الذي دفعك  لتأسيسها؟

ولدت الفكرة عندما بدأت في عام 2009م بالتعرف على مجتمع الأشخاص ذوي الإعاقة عن قرب وأندمج مع مشاكلهم بشكل ملموس أكثر، فأحسست وقتها أننى أمام واجب يدفعني إلى توظيف ما تعلمته لخدمة قضيتي من خلال موقع إعلامي بأيدي الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم بمختلف الإعاقات يطالب بحقوقهم، ويثقف المجتمع؛ بهدف تغيير النظرة السلبية تجاه هذه الفئة مع إلقاء الضوء على نماذج قد تخطت كل العقبات ونجحت فى حياتها نجاحًا لم يدركه كثيرًا الأشخاص الذين لم تصبهم الاعاقة.

 كيف ترى (شبكة وراديو صوت المعاق) في المستقبل وما هو حلمك الكبير لهذا المشروع؟

أحلم أن تتحول إلى جريدة ورقية وأن ننشئ أول إذاعة على أرض الواقع تركز على قضية الإعاقة فى مصر والشرق الأوسط.

 تظهر دائمًا مبتسمًا.. ما سر هذه الابتسامة (أدامها الله عليك)؟

ولماذا لا أبتسم.. هل ينقصنى شيئًا

 يبدو أنك طموح ومجتهد رغم كل الظروف حولك فبالإضافة إلى الراديو قد أسست شركة خاصة بك أخبرنا المزيد عنها؟

كان من الأشياء التي تشغل بالى دائمًا.. (الكرسي المتحرك).. الذى يكون ملازمًا لمستخدمه كجزء ملاصق لجسده، فمنذ صغري لم أرى شكلاً مختلفًا للكرسي المتحرك سوى ذات الكرسي الفضى الكئيب، ثقيل الوزن، ذو المقاس الواحد، والتنجيد الجلدى باللون القاتم، والذى فى حقيقة الأمر غير مصمم ليخرج من أبواب المستشفيات، لذلك قررت إنشاء أول شركة فى مصر تخالف الواقع وتتيح كراسى متحركة يدوية وكهربائية حسب مقاسات الجسم، وطبيعة الإعاقة، وطبيعة حياة أو بيئة الشخص الذي يستعمل الكرسي المتحرك بها ، وهي شركة (ستارت أب). استطعنا أيضًا توفير كراسي متخصصة للأطفال، وحالات الشلل الدماغي، والكراسي الرياضية كذلك كراسي متحركة ذات وضعية الوقوف وصعود الدرج، مع توفير كافة الملحقات التى قد يحتاجها مستخدم الكرسي مثل الكانوبي، وحامل الأكواب والطاولة والشلت الطبية.. وغيرها، ولم تقتصر (ستارت أب) على بيع أحدث الكراسي المتحركة فى العالم فحسب، لكنها توسعت لتنشئ أكبر مركز صيانة فى مصر والشرق الأوسط لصيانة جميع أنواع الكراسي المتحركة اليدوية والكهربائية وتوفير أدق قطع غيار قد يحتاجها الكرسي للحفاظ عليه لأطول فترة ممكنة.

 كيف تستطيع التوفيق بينهما من حيث الوقت أو المجهود؟ هل هناك مساعدين لك أو فريق عمل يساندك؟

بكل تأكيد.. مشروعان ضخمان كهذين كان لابد من وجود فريق عمل متكامل من أكفئ الكوادر البشرية خلفهما ومعظمهم من الأشخاص ذوي الإعاقة.

قرار الزواج وتأسيس أسرة لشخص من ذوي الاحتياجات الخاصة ليس سهلاً.. ما الصعوبات التي واجهتك في اتخاذ قرارك؟

فى الحقيقة هو ليس بالقرار السهل على أي شخص ليس فقط ذوي الاحتياجات الخاصة.. أهم شيئ فى قرار الزواج هو اختيار شريك الحياة، والاتفاق معه على أسلوب الحياة، وكان اختيار شريكة الحياة أصعب شيئ بالنسبة لي فى قرار الزواج.. طبعًا بعد الاستعداد لاتخاذ قرار الزواج أصلاً.

 من دعمك في هذا القرار ومن عارضك؟

لم يعارضني أحد في قراري بمجرد استعدادي ماديًا لاتخاذ قرار الزواج.

يفضل بعض ذوي الاحتياجات الخاصة اختيار شريك حياتهم أيضًا من ذوي الاحتياجات الخاصة والبعض يفضل أن يكون شريك حياته من الأسوياء.. ما رأيك في ذلك؟ وأيهما تفضل؟ ولماذا؟

في هذا الوقت أرى أن هذا التفكير به تمييز من حيث الجسد.. وهو الشيئ الذى نود القضاء عليه، إن اختيار شريك الحياة قضية يطول التحدث عنها ليس لنا المجال هنا لهذا.. لكن ما أريد قوله هو أن ما يهم فى قرار الزواج أن يبني الطرفان تفاصيل حياتهم بمنظور عقلاني واقعى يمتزج به الحب المتبادل والرضا الكامل من كل طرف عن الآخر.

 ما رأيك في مواقع وصفحات الزواج للمعاقين المنتشرة حاليًا هل فعلاً مفيدة وسهلت على ذوي الاحتياجات الخاصة اختيار شريك حياتهم أم لا؟ وما مميزاتها وعيوبها من وجهة نظرك؟

لقد أصبحنا فى مجتمع مفتوح ولن نستطيع إنكار هذه الحقيقة، لذلك أرى أنها فكرة مقبولة للتعارف واختيار شريك الحياة، حيث يقابل الشخص ذو الإعاقة اضطهاد مجتمعي كبير خاصة من الأهل بعدم تقبل زوج/ زوجة بإعاقة، وأرى أن هذه المجموعات لابد أن تضع معايير لانضمام الأعضاء، والتأكد من جديتهم فى الارتباط.

عادة يطرح الطفل ذو الاحتياجات الخاصة أسئلة على والديه ليعرف أسباب اختلافه عن الآخرين ولكن سؤال الإبن لأحد الوالدين لماذا هو مختلف هو أمر آخر.. هل مررت بهذه التجربة؟ وماذا كان ردك؟

نعم.. مررت بهذه التجربة ولم أخفى عليهم السبب الحقيقي للإعاقة، وقد وظفتها فى صورة تعليمية وهي أنهم لابد أن يتقنوا عملهم حتى لا يقعوا فى هذه الأخطاء ولا يؤذوا أشخاصًا آخرين وثقت بمساعدتهم.

بماذا تنصح الآباء من ذوي الاحتياجات الخاصة بكيفية الرد على أسئلة و استفسارات أبنائهم عن إعاقتهم؟

أنصحهم بالصراحة المتناهية عند الإجابة عن أسباب الإعاقة مع تربية أبنائهم بالشكل الذي يجعلهم يحترمون الاختلاف بين الأشخاص.

 بماذا تنصح الأهل ممن لديهم طفل لديه شلل دماغي؟

أن يؤمنوا بأنهم بإمكانهم حتمًا أن يوفروا له حياة طبيعية مثل أي طفل يمر بمراحل حياته المختلفة إلى أن يصبح شخصًا ناجحًا ونافعًا لمجتمعه يفخرون به.

 ماهي نصائحك من واقع خبرتك لأي شخص لديه شلل دماغي في مواجهة صعوبات الحياة؟

ألا يركز على إعاقته بل يركز فقط على الحياة وتحقيق الأهداف بتوظيف كافة إمكانياته ليحيا حياة طبيعية.

 ماهو الشيء الذي ندمت على فعله والشيء الذي ندمت على عدم فعله والشيء الذي تتمنى أن تفعله؟

الشيء الذي ندمت على فعله هو إذا أحبطت ولم أبتسم.

الشيء الذي ندمت على عدم فعله هو أن أبتسم عندما كنت محبطًا.

 الشيء الذي أتمنى أن أفعله أن أبتسم دائمًا.

( إذا خيرت أن تتحقق لك أي أمنية أو معجزة  ماذا ستتمنى؟ (أمنية واحدة فقط

أن أركب آلة الزمن وأشاهد عصر سيدنا سليمان.

ما هي أحلامك للمستقبل البعيد على الصعيد الشخصي والمهني؟

على الصعيد الشخصي أتمنى أن تدوم سعادتى مع عائلتى وكل من أحبهم دائمًا.. وأتمنى أن أحقق مشروعات أكثر نفعًا لوطني ومجتمعي.

هل تمارس أي رياضة أو هواية أو لديك موهبة ما؟

أحب الرسم والتصميم باستخدام الكمبيوتر.

 ما هي الصعوبات التي يواجهها من لديه شلل دماغي في العالم العربي؟ وما هي الحلول المطروحة لحلها برأيك؟

الصعوبات: عدم توافر الأدوات المساعدة والداعمة، وعدم وجود مراكز تأهيلية وعلاجية متخصصة فى هذه الحالات، وعدم إتاحة الفرص العلمية، ونظرة المجتمع.

الحلول: التثقيف والتوعية المجتمعية والحكومية، وعمل بروتوكولات تعاونية مع مراكز رائدة في مجال تأهيل وعلاج حالات الشلل الدماغي، وفرض القوانين الداعمة لحقوق هذه الفئة.

 ما أكثر ما أعجبك في مجلة آفاق الاحتياجات الخاصة

نشاط فريق عمل المجلة وتركيز المجلة على الجانب التوعوي والتثقيفى حول قضايا الإعاقة المختلفة.. أتمنى المزيد من النجاح والتوفيق للمجلة وفريق العمل المجتهد

أجرت المقابلة: إيمان أبو الغار

حلم سارة

حلم سارة

اسمى (سارة شحاتة سعيد)، تخرجت من كلية الحقوق جامعة (عين شمس)، أعانى من مرض العظم الزجاجي ولكن ظروفى لم تمنعنى من عيش حياتى بشكل طبيعى؛ فتخرجت من الجامعة، وبحثت عن عمل، وكان حلمى أن أعمل فى مجال المحاماة ولكن لم تسمح لى الظروف بأن أجد عملًا مناسبًا ومهيئًا لمثل حالتى كمستخدمة كرسى متحرك، لكن لم أيأس وبدأت البحث عن شىء أنمي به مهاراتى فبدأت بأخذ دورات في اللغة الإنجليزية والكمبيوتر، واجهت صعوبات بسبب عدم تهيئة المكان ولكن أكملت وحصلت على الشهادة وبعدها قررت أن أمارس الرياضة، وكان حلمى أن أجد رياضة مناسبة لي ولكني لم أكن أعلم هل توجد أماكن مناسبة لمثل حالتي ومجهزة لكى أمارس فيها رياضة؟ وإذا وجدت مكان هل أستطيع الذهاب وحدى؟ حيث كانت كل تحركاتي مع أهلى إلى أن تغيرت حياتى منذ عام ونصف، حينما انضممت لمؤسسة (الحسن) لدمج القادرون باختلاف، فكانت تدعم مشاريع عديدة من ضمنها مشروع أنشطة ورياضة فاشتركت به، وبدأت فى ممارسة رياضة تنس الطاولة، أحببت اللعبة كثيرًا وانتظمت بها لمدة عام وحتى الآن.. فأنا أستعد لدخول بطولة الجمهورية، وبدأت المجالات تتسع أمامى، ثم بدأت أمارس رياضة أخرى وهى القوس والسهم، وبدأت التمارين بشكل مكثف، واشتركت فى بطولة الجمهورية، وحصلت على المركز الثانى.. ومن وقت بدئي ممارسة الرياضة وأنا أعتمد على نفسي بشكل كلي، وأذهب إلى تماريني بمفردي ولا أحتاج لأى شخص حتى لو قريب مني. أنا سعيدة جدًا بكل ما وصلت إليه وسوف أكمل مشواري مهما واجهت من صعوبات وعقبات، وبالتحدى والأمل سوف أحقق حلمى بأن أصبح بطلة العالم فى تنس الطاولة.. ولن ايأس أبدًا فى البحث عن عمل مناسب لظروفي مهما  كان المجتمع لا يشعر بنا كمستخدمى الكراسي المتحركة، ومهما كانت الأماكن غير مهيأة هذا لن يمنعنى من تحقيق أحلامى

بقلم: محمود الجزار