أن تنتمي على الرغم من جسدك

أن تنتمي على الرغم من جسدك

(أن تنتمي على الرغم من جسدك)

 

إن الصورة التي تتولد بداخلك عن جسدك، والثقة بالنفس لهما العاملان اللذان يؤثر أحدهما في الآخر؛ فإن كنت أنت راضيًا عن جسمك فستنشر هذه الثقة وتشعها حواليك. ولكن الأمور ليست بهذا اليسر في حقيقة الأمر، وهذا ينطبق على الجميع من ذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم، ولكنني أخص بالذكر الصراع الذي يعيشه ذوو الإعاقة.

وهنا تكمن المعضلة فغريزة الإنسان الطبيعية هي أن تحب نفسك، ولكن ماذا يحدث عندما تفشل هيئة جسمك أو صورته في تحقيق أمر يفترض أن يكون بداخلك؟ ستجد نفسك عندئذ محاصرًا بين ازدواجية الكراهية والحب، صراع داخلي من الممكن أن يدمر في نهاية المطاف ثقتك بنفسك أو نفسك ذاتها؛ مما يؤدي إلى الانطواء والعزلة وإن كنت محاطًا بالكثيرين.

ومن الصعب بالنسبة إلى بعض الشباب من ذوي الاحتياجات الخاصة أن يشعروا بالثقة في أجسامهم، خاصة عندما تكون الإعاقة جسدية، وأعترف أني مررت بهذه المرحلة فترة المراهقة؛ فلم أكن أدرك أنني مختلفة عن الآخرين إلى أن وصل الجنف (مَيَلَانٌ جانِبيٌّ في العَمُودِ الفِقْرِيِّ) إلى مرحلة متقدمة، وأصبح وزني قليلًا بالنسبة إلى عمري؛ لوجود ضمور في العضلات منعني من المشي. لم أهتم بالمشي كثيرًا ولكنني انزعجت من انحناء ظهري، وكرهت نفسي عندما اضطررت لارتداء دعامة؛ لشعوري بأنني مختلفة، ومنعزلة تمامًا.

وبعد إجراء عملية التحام للعمود الفقري اعتقدت أن الأمور قد تتغير بالنسبة لي، ولكن العملية لم تنجح، حيث أصبح حال ظهري أسوأ عن ذي قبل، وكان ذلك في نفس الوقت الذي بدأتُ فيه دراستي في مدرسة ثانوية عادية، بعد أن كنت في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة؛ حيث كان الطلاب أكثر تقبلًا لحالتي هذه. تجدر الإشارة هنا إلى أن ذوي الإعاقة أيضًا من الممكن أن يكونوا قساة مثل أي شخص آخر؛ وهذا لأن الإعاقة لم تكن لتمنعهم أيضًا من الحكم على الآخرين.

لقد عانيت كثيرًا في المدرسة، ولكني لم أسمح لأحد أن يلاحظ ذلك، أو يعلق عليه، وكنت أعرف أن الاستمرار في الوجود في مثل هذه البيئة يحتم علي ألا أظهر ضعفي أو عدم مقدرتي، وكثيرًا ما سمعت طلابًا آخرين يسخرون مني ويستهزئون بي، كأن يقول بعضهم لبعض: “يا هذا؟ هل هذه أمك؟” أو “هذه صديقتك”، بطريقة المزاح التقليدية للأولاد. في حين أن الفتيات كانوا يضحكون على حذر، ويقولون أشياء مماثلة ولكن بصوت خفيض، وكنت دائمًا أحس بما يقولون حتى وإن لم أسمعهم، وأتظاهر بعدم الملاحظة لأنني أعرف أنني لا يمكنني مواجهتهم.

لم أكره هؤلاء الطلاب، وفي الواقع ضحكت سرًّا على نكاتهم، وكذلك لا أستطيع أن ألومهم كليًّا؛ لأننا نعيش في هوس ثقافة “الجسد المثالي” . ففي كل مكان نلاحظ صورة الجسم المثالي التي تم التركيز عليها من قبل وسائل الإعلام والمشاهير، كل ما رأيته على شاشة التلفزيون كان لأجسام متميزة أو عادية أو محببة أو مطلوبة، بيد أنني لا أتذكر أنني رأيت شخصًا معاقًا واحدًا حظي بالاهتمام والرغبة المماثلة.

لم يكن لدي خطة للتعامل مع هذه السخرية اليومية، وبمرور الأيام ازدادت كراهيتي للمرايا، فكنت أتهرب من النظر إليها، وحينها اكتشفت أن ما لا أستطيع رؤيته لا يمكن أن يضعفني.

فتعلمت أن أتجاهل هؤلاء الناس، وأسعى إلى أن أكون أقوى من تصرفاتهم السطحية؛ فدرست بجدية كبيرة، وبرعت في معظم المواد الدراسية، وببطء زادت ثقتي بنفسي، ووصلت هذه الثقة ذروتها عندما طلب هؤلاء الطلاب أنفسهم مساعدتي في أداء واجباتهم المدرسية أو تدريسهم، وبعدها أن نكون أصدقاء. سامحتهم وقبلت صداقتهم، وأيقنت أن سخريتهم كانت -بشكل ما- آلية دفاعية، تحمي ضعفهم ومخاوفهم بشأن مظهرهم؛ فلا يوجد أحد مثاليًّا، ونحن جميعًا لدينا أشياء في أجسامنا لا تعجبنا، لكنني تعلمت أن ما لا يمكنك أن تراه سيتجاهله الآخر أيضًا وإن استغرق الأمر بعض الوقت. فلقد تجاهلتُ التعليقات التي وصلت إلى أذني، وتوقفت عن النظر في المرآة وفحص جسدي، وركزت على الأشياء التي اخترتها، مما اضطر الآخرين للرضوخ إلى ثقتي بنفسي.

وبعد سنوات أصبحت أقوى، وكل ما تحملته وقت طفولتي ومراهقتي جعلني جاهزة للتعامل مع مثل هؤلاء الناس، وأدركت أنهم سيكونون موجودين دائمًا في أشكالٍ مختلفة. فبدلًا من التهكم كنت أسمع تعليقات مثل: “فقط لو لم تكوني هكذا؟! “وماذا قال الأطباء؟

وتعلمت أيضًا أن أسامح هؤلاء الناس، فهم محصورون في عالم ضيق، عالم يجعل من الاختلاف مفهومًا مخيفًا بالنسبة لهم؛ فلم يعد حبسي في جسم غير مرغوب فيه هو المشكلة، ولكن مشكلتي كانت في تعاملي مع أنواع من البشر جامدة قاسية تقليدية.

ذهبت مؤخرًا لرؤية مسرحية “الرجل الفيل” في المسرح، وخرجت منها بجملة تتردد بداخلي إلى الآن، وهي: “أحيانًا أعتقد أن رأسي كبير جدًّا لأنه مليء بالأحلام”. وقد قيل لي دائما أن رأسي أكبر من جسدي لأنه مليء بالمعلومات، ولكن الجلوس في المسرح والاستماع إلى هذه الجملة أعاد لي كثيرًا من الذكريات، كنت قد اخترت كتمان بعضها منذ زمن.

جسدي ملكي، وكيفما كان شكله سأتقبله وأحميه من الآخرين، ولكنني لن أكذب أو أتجمل فأنا عندما أتألم أنزعج جدًّا من جسدي، بيد أنني لا أنفك عن تقدير قيمته؛ فقد منحني جسدي القوة التي يفتقر إليها كثيرون بأجسادهم الطبيعية، فسمح لي باكتشاف الناس ومعرفتهم على حقيقتهم، ومنحني العزيمة لأثبت للعالم أن وجود جسد مثالي لا يضمن لك مستقبلًا مثاليًّا. وبعيدًا عن الانحياز أو التحامل فقد رسمت عالـمًا وهميًّا في رأسي لتجنب النظرات غير المريحة، وحلمت بأنني أتقدم في كل مسار أسلكه، وأنني أتعامل مع الرفض الذي يسببه مظهري غالبًا.

اليوم أنا محصنة ضد الأذى، وممتنة لجسدي؛ لأنني بدونه لم أكن ما أنا عليه اليوم

بقلم: ريـــــــــا الجــــادر

You might also like

أسلوب الحياة 0 Comments

دمى تشبهني

بوصفي أكبر مشجعي التنوع والشمول في كل جوانب الحياة فقد سررت جدًّا لرؤية حملة “تويز لايك مي” وقد تحولت إلى واقع ملموس من خلال صناعة دمى باحتياجات خاصة، وذلك من

أسلوب الحياة 0 Comments

التعليم والأشخاص ذوو الإعاقة في العالم العربي

التعليم والأشخاص ذوو الإعاقة في العالم العربي (نظرة تحت المجهر) خلفية عامة: غالبية الدول العربية مصادقة على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، بعضها أصدر بعد ذلك تشريعات في اتجاه توفير

أسلوب الحياة 0 Comments

أميرة ديزني الجديدة

    كلنا تربيّنا ونحن نستمع إلى حكايات من وحي الخيال، ونقرأ القصص الخيالية مثل (ليلى والذئب)، (سندريلا)، (والأميرة النائمة)، وبالطبع كان لـ “والت ديزني” النصيب الأوفر، وخاصة قصة: حورية