عيد الأم

عيد الأم

عيد الأم

فِي مثل هذا اليوم من السنة اعتاد الناس على تقديم الهدايا والزهور ممزوجة بمشاعر المحبة للأمهات. ولكن علينا أن نعلم أن الأمومة ليست أمرًا سهلًا، خاصة إذا كان لدى الأم طفلٌ معاق. فهل يجب علينا إلقاء اللوم على الأمهات اللواتي تخلين عن أطفالهم المعاقين؟

لقد قرأت كثيرًا من المقالات والتقارير طوال السنوات الماضية حول الصعوبات التي تواجهها الأمهات مع أطفالهم المعاقين، ويبدو أن الصورة المعبرة عن معاناة هؤلاء الأمهات في وسائل الإعلام قد خرجت بنتائج إيجابية!
فهذه المقالات غالبًا ما تؤدي إلى زيادة الشعور بالذنب والعجز الموجود بالفعل عند كثير من المعاقين، فلقد حمَّلتُ نفسي لسنوات طويلة ذنبَ كوني عبئًا ثقيلًا على والدتي، “عبئًا” على إنسانة لم تتركني وحيدة، فقد كانت إلى جانبي ليلًا ونهارًا ، لازَمَت سريري عند مرضي، ورافقتني إلى كل موعد في المستشفى. هذه الصور كانت دائمًا في رأسي تطاردني: صور نومها على كرسي المستشفى بجانب سريري، أو صورتها عندما تترك سريرها للعناية بي، حتى إنها تعاملت مع مواقف الناس السلبية تجاهي دون أن تجعلني أشعر بذلك.
ومتأكدة من أن ما أشعر به ليس شعوري وحدي بل إنه شعور أي معاق مر بهذه التجربة منذ طفولته؛ فنحن نرى أمهاتنا يتقدمن في السن ويصبحن أضعف بدنًا، وهذا يجعلنا نحس بالذنب أكثر تجاه ما يصيبهن من آلام في الظهر أو ضعف في الساقين، ولا يوجد مفر من هذا الذنب؛ فرعايتهن لنا مستمرة.
هذا الشعور بالذنب يلازمنا باستمرار، خاصة عندما تشير وسائل الإعلام والمجتمع إلى أن الأم التي تتخلى عن طفلها المعاق هي أم أنانية قاسية، وتلك التي لا تتخلى عنه يتم تصويرها بوصفها إنسانة ضحت كثيرًا، وقامت بعمل نبيل يصعب على معظم الناس تحمله.
ولكن هاتين الصورتين لا تمثلان الحقيقة؛ فليست كل أم قد تخلت عن طفلها المعاق هي إنسانة أنانية، كما أنه ليست كل من التزمت برعاية طفل معاق هي أم متفانية مضحية؛ فربما يدفعها الحب لتقديم تضحيات كبيرة ضمانًا لأفضل رعاية تقدم لطفلها المعاق بعيدًا عن شعورها بالذنب، ولكن يبدو أن هذا الأمر ليس مهمًّا بالنسبة لأولئك الذين يصدرون أحكامًا على الآخرين، ويتجاهلون الظروف الخاصة والفريدة لكل إنسان.
بطريقة مماثلة، ليست كل أم تختار البقاء إلى جانب طفلها تستحق الثناء! أيجب أن نمدح أمهات الأطفال الطبيعيين على رعايتهم لأطفالهم؟! إذن لِـمَ التمييز؟
كما أن عطاء الأم لطفلها المعاق يحمل كثيرًا من الإيجابيات، مثل الإحساس المستمر بالمسئولية تجاه الأم التي لديها طفل معاق.
المفارقة هنا تكمن في حقيقة أن المجتمع ووسائل الإعلام المختلفة تقوم بتصوير أمهات الأطفال المعاقين على أنهن أكثر معاناةً وعملًا وتضحيةً، وفِي نفس الوقت تشن الهجمات الأكثر قساوة على الأمهات اللواتي يتخذن أصعب القرارات في التخلي عن أطفالهن. ما هي الرسالة التي نفهمها إذن من مثل هذه المواقف؟ الرسالة هي أنك –بوصفك أمًّا لطفل مُعاق- ستعانين كثيرًا، وسنقابل نحن معاناتك بالإعجاب، أما غير هذا فلا، فيجب عليك الرضا بقَدَرك وإلا ستوصفين بالأنانية وقسوة القلب.
وهنا أتساءل عما إذا كان الناس الذين يتخذون مثل هذه الأحكام المتسرعة قد فكروا في الضغوط الناجمة عن حجم هذه المسئولية، إلى جانب الجهد والإرهاق الذي ينجم عن وجود طفل معاق، وليس من الضروري أن يكون ذلك بسبب العناية الخاصة بالطفل ولكن من سلوكيات الناس ومواقفهم تجاه الطفل المعاق.
عندما كنت طفلة كثيرًا ما كان الناس يحدقون في وجهي ويعلقون على حالتي، وكثيرًا ما كانت تسمعهم والدتي. هذه التعليقات كانت تجعلها تشعر وكأنها إنسانة “فاشلة”؛ لأن جميع الأمهات قد قاموا بإنجاز عظيم يتمثل في إنجاب طفل بصحة جيدة باستثنائها! وأنها هي المُلومة بطريقة ما أو بأخرى. وحقًّا ليس كل إنسان لديه القدرة على التعامل مع مثل هذه المواقف. والدتي لديها شخصية قوية وتمتلك دعمًا كبيرًا، فليس الجميع محظوظين مثلها.
وقد قرأتُ مؤخرًا مقالين في صحيفة تحدثت عن اثنتين من الأمهات اللواتي لديهن أبناء معاقون، الاثنان ولدوا بمتلازمة داون. إحدى الأمهات تخلت عن ابنها عند الولادة؛ لأن في أرمينيا يتم إعطاء خيار للأُم فيما إذا كانت ترغب في العودة للبيت مع طفلها المعاق أو تركه في المستشفى للعثور على عائلة مستعدة لتبنيه.
الأُم الثانية أبقت ابنها معها، عمره الآن سبعة وأربعون عامًا، ولكنها ندمت على قرارها، وقالت إنها كانت ستفضل إجهاضه أو منحه لعائلة تتبناه لو أنها عرفت حجم المجهود والمعاناة التي ستتحملها، وعَلَّقَت قائلة: “على الرغم من أنني أحب ابني وأرعاه ، لكنني أعلم أن حياتنا كانت ستكون أكثر سعادة وأقل تعقيدًا بدونه، وربما كنت أنجبت طفلًا آخر وعشنا حياة أسرية طبيعية، وسيكون أندرو -ابني الآخر- مرتاحًا، فلا يتحمل مسئولية أخيه بعد رحيلنا”. الوالدة شرحت كل التأثيرات العاطفية والجسدية والعقلية التي مرت بها، حتى تعرضها لانهيار عصبي.


لذلك وباعتباري شخصًا معاقًا، أستطيع أن أفهم لماذا تتخلى بعض الأمهات عن أطفالهن، في رأيي أنه من الأفضل أن تتركي طفلك على أن يتم تربيته باستياء وغضب؛ لأن الطفل حساس وحتمًا سيشعر بهذا التوتر والاستياء، وعندها فشعوره بالذنب سينمو ويترعرع داخله طوال حياته؛ مما يؤدي إلى وضع بائس للجميع.
التخلي عن الطفل المعاق ليس دومًا عملًا أنانيًّا، وحبك للطفل سيُوجِّهُك إما للتضحية بالأمومة حتى يحصل طفلك على الحب والرعاية التي قد لا تكونين قادرة على توفيرها له، أو تحمل هذه المشقة والمعاناة بحب ورضا وقدرة حقيقية. فنحن جميعًا ولدنا مختلفين، بقدرات وقابليات مختلفة، وليس لدى كل أم المقدرة الذاتية والاستعداد الكامل للتعامل مع الطفل المعاق، وهذا ليس خطئًا أو عيبًا؛ إنما فطرة وهبة وقدرة إما أن تكون لديك أو لا، فهو يشبه أن يولد المرء بميزة معينة تميزه عن غيره، وعند الافتقار إلى هذه الميزة مع وجود هذا الحمل يجعلنا بالطبع أمهات غير طبيعيين.
الأمومة شيء عظيم، ولكنها ليست للجميع؛ فأنا لم أشعر قط بغريزة الأمومة أو الرغبة في طفل على الرغم من أنني أحب أولاد إخوتي وبناتهم، ولكنني أعرف أن الأمومة ليست لي، وهذا لا يجعلني أنانية؛ لأنه الاختيار الذي أشعر أنه أكثر ملاءمة لنمط حياتي.
وعلى نفس المنوال، فإن الأمهات اللواتي يربين أطفالهن المعاقين أحرار مثل اللواتي تخلوا عنهم، كلهن غير مذنبات، ولا ينبغي علينا أن نحكم عليهن لمجرد أننا لا نعيش في نفس أوضاعهن، أو لا نعرف قصتهن الكاملة.

بقلم: ريـــــا الجــادر

You might also like

العلاقات الأسرية 0 Comments

(يوميات (تينو

    سعدت كثيرًا حينما تلقيت ذلك الكم الهائل من التعليقات الإيجابية على مقالي الأول، وطلب مني القائمون على الموقع الاستمرار في الكتابة، وأبلغوني برغبة القراء في معرفة المزيد عن

العلاقات الأسرية 0 Comments

محمود ودينا

تناولت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي مؤخرًا في مصر خبر لفت الأنظار وهو خطبة بطلي مصر في السباحة  لذوي الاحتياجات الخاصة (محمود صفوت عبد الباري ودينا طارق سعد) ولمن لا

العلاقات الأسرية 0 Comments

 خمسة أشياء لايعرفها سوى أشقاء شخص ذي إعاقة

  خمسة أشياء لا يعرفها سوى أشقاء شخص ذي إعاقة إن وجود أشقاء في حياتك أمرٌ رائع ولكنه فِي بعض الأحيان يكون أمرًا مُحبِطًا. ولكن هل تساءلتَ يومًا: إذا كان