التعليم والأشخاص ذوو الإعاقة في العالم العربي

التعليم والأشخاص ذوو الإعاقة في العالم العربي

التعليم والأشخاص ذوو الإعاقة في العالم العربي
(نظرة تحت المجهر)

خلفية عامة:
غالبية الدول العربية مصادقة على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، بعضها أصدر بعد ذلك تشريعات في اتجاه توفير خدمات للأشخاص ذوي الإعاقة، وبعضهم الآخر اتخذ إجراءات أنشأ من خلالها مؤسسات تعنى بالإشراف والمتابعة وضبط الاستراتيجيات والسياسات والخطط الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة وإصدارها، وتبني المبادرات ذات العلاقة بتحسين واقع الأشخاص ذوي الإعاقة، والحديث يطول عن هذه الإنجازات والأعمال، لكن عين المتفحص لما تم إنجازه يخلص إلى مجموعة من الفجوات التي تحول دون اندماج الطلاب ذوي الإعاقة في البيئات التعليمية:
أولاً: تبني المنظور الطبي الرعائي لتعريف الإعاقة والأشخاص ذوي الإعاقة
إن غالبية التشريعات العربية تقدم وصفًا طبيًّا تربويًّا لحالة الإعاقة يجعلها منحصرةً في أشكال من “القصور” في مجال التعليم أو العمل أو التأهيل، دون التفات إلى ما تلعبه العوائق البيئية والسلوكية من دور رئيس في نشأة حالة الإعاقة، والحيلولة دون تحقق المشاركة الفاعلة وتكافؤ الفرص للأشخاص ذوي الإعاقة. وقد أفضى هذا التوجه الطبي من جانب المشرِّع إلى إقصاء كثير من الأشخاص الذين يجابهون وضعية إعاقةٍ فعلية، من نطاق تطبيق النصوص القانونية والاستراتيجيات والخطط والبرامج الخاصة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة؛ كما هو الحال بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقات غير الظاهرة والأشخاص ذوي الإعاقة النفسية الذين ينظر إليهم بعض الناس بوصفهم مجرد حالات “مرضية”، وليسوا أشخاصًا ذوي إعاقة.
من أهم الأشكال التمييزية التي يواجهها الطلاب ذوو الإعاقة وتعتبر مكمن الداء هو اقتران الحصول على الحق في التعليم بالتقارير الطبية الصادرة عن مراكز التشخيص المختلفة التي تنظر للأشخاص ذوي الإعاقة من منظور طبي ضيق بمعزل عن البيئة المحيطة وتعتبر هذه التقارير كلمة المرور لوصول الطلبة ذوي الإعاقة إلى مرفق التعليم، حتى في بيئاته الانعزالية غير الدامجة، وذلك وفقَا للتشريعات المعمول بها والتي نصت على أن التشخيص الطبي من أهم شروط الالتحاق بالجهات التعليمية المختلفة.
ومن أبرز الأشكال التمييزية الأخرى التي يتعرض لها الطلاب ذوو الإعاقة هو التوجه نحو إنشاء وتعميق عمل البيئات التعليمية الخاصة غير الدامجة لهؤلاء الطلاب ؛ حيث إن جزءًا من التشريعات الخاصة بالإعاقة والتشريعات الناظمة للعملية التعليمية قد أكدت في أكثر من موضع “توسيع أنماط التربية في المؤسسات التربوية لتشمل برامج التربية الخاصة للأشخاص ذوي الإعاقة، بل إنها اعتمدت أيضًا مسميات كثيرة لهم جلها يكمن في أنهم ذوو احتياجات خاصة؛ وذلك لأن المشرع يتبنى النهج الطبي الرعائي في التعاطي مع قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة.

ثانيًا: عدم تضمين حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وقضاياهم في الشأن العام
كما غاب عن بال المشرِّع تمامًا مشاركة أصحاب الشأن أنفسهم في وضع معايير ممارسة الحق في التعليم ومتطلباته، خصوصًا فيما يتعلق بتحديد العوائق البيئية والسلوكية والنظرة الشمولية لوضعية الإعاقة، بعيدًا عن التقديرات المستندة إلى التوجه الفردي الرعائي الذي يشكل عماد علم التربية الخاصة بمعناه التقليدي؛ حيث إن هذا العلم وتطبيقاته لا تلقي بالاً لمبادئ حقوق الإنسان والاتفاقية ولا إلى ما تفرضه من التزامات عامة على عاتق الدول الأطراف في ضمان تكافؤ الفرص والمساواة للأشخاص ذوي الإعاقة في ممارسة حقهم في التعليم في ظل بيئة خالية من مختلف العوائق والحواجز الإقصائية التمييزية.
ثالثاً: عدم فاعلية النصوص القانونية المتعلقة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة:
الأصل أن القوانين ذات صفة إلزامية وأن سريانها جبري وذلك بقوة الدستور؛ وذلك ما يتطلب إصدار نظم ولوائح إجرائية ترسم خارطة سريان النصوص القانونية، من حيث الزمان والمكان والأفراد المخاطبون بأحكامها، لكن المطلع على القوانين الخاصة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة يجد أنه لم تأتِ نظم أو تعليمات كافية ومرضية تضع نصوص هذه القوانين موضع النفاذ والتنفيذ، وأنه يبدو جليًّا ضعف نطاق الحماية والإلزام لهذه القوانين؛ ذلك ما دفع بالجهات التنفيذية إلى اللجوء إلى اجتهادات شخصية غير مؤسسية وإلى تعليمات عفا عليها الزمن، حتى وإن كانت مخالفة لبعض أحكامه؛ نابذةً وراء ظهورها التشريعات الحقوقية ومؤكدة على النهج الرعائي الطبي.
رابعاً: تداخل الأدوار والصلاحيات وتشابكها وعدم وضوح حدودها:
الأصل أن تكون مسؤولية توفير الحق في التعليم مناطة بوزارة التربية والتعليم؛ لأنها صاحبة الولاية والمسؤولية وفقًا لنصوص الدول وقوانينها وسياساتها، وهذه المسؤولية تشمل دورها تجاه الطلاب ذوي الإعاقة لضمان مساواة الحق بينهم وبين الآخرين من الطلاب، لكن الجلي من خلال بعض التشريعات والممارسات المعمول بها في بعض الدول العربية أن تعليم الأشخاص ذوي الإعاقة يخضع لفلسفة غريبة مفادها أن التداخل في الأدوار والصلاحيات المسؤولة عن توفير الحق في التعليم للطلاب ذوي الإعاقة هو سيد الموقف، فالعديد من الجهات تعنى بتوفير الحق في التعليم للأشخاص ذوي الإعاقة، حيث تضطلع وزارات الشؤون أو التنمية الاجتماعية بمسؤوليات متعلقة بترخيص مراكز الأشخاص ذوي الإعاقة ومؤسساتهم ومتابعتها، فجلها يقدم خدمات التربية الخاصة، كما تأتي المجالس المعنية بقضايا الإعاقة ضمن اللاعبين الأساسيين في هذا القطاع من خلال ما تشرف عليه وما تصدره من معايير اعتماد المراكز والمؤسسات التعليمية ومؤسسات التربية الخاصة أيضًا، ذلك بالإضافة إلى الجهات التطوعية؛ وهذا ما يعكس مدى تعدد الجهات التنفيذية والرقابية، وتداخل أدوارها وغموض حدود مسؤوليات كل منها في مرفق التعليم للأشخاص ذوي الإعاقة والذي يعتبر مرفقًا مهمًّا وحساسًا.
خامسًا: تكريس منظومة التشريعات الوطنية لصور من التمييز والقوالب النمطية السلبية:
جاءت بعض التشريعات منتهكةً حقوق الطلاب ذوي الإعاقة، متناسية مبادئ اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي تنص على احترام قدرات الأطفال ذوي الإعاقة وقدرتهم على التطور وقبول الأشخاص ذوي الإعاقة بوصفهم جزءًا من التنوع البشري، فقد فوضت بعض التعليمات الخاصة بأسس النجاح والإكمال والرسوب السلطةَ للمدرسة لترسيب الطالب الأصم عددًا من المرات يفوق ما هو مسموح به للآخرين أو رفعه تلقائيًا في بعض الحالات حتى وإن كان تحصيله الأكاديمي غير ذي كفاية، متى ثبت لدى المدرسة “أن السبب في ذلك هو الإعاقة”، وذلك دون النظر إلى قدرة المدرسة على تعليمهم وتمكينهم مثلهم مثل الآخرين. كما تمنح بعض هذه التعليمات والأنظمة للمدرسة سلطة تقديرية تجيز لها حرمان الطلبة ذوي الإعاقة البصرية من المواد العلمية مثل الرياضيات والحاسوب.
سادساً: وجود حالة من انعدام تكافؤ الفرص وانتهاك الخصوصية والاستقلالية الفردية، بسبب غياب أشكال التهيئة المختلفة:
وبالرغم من أن القوانين في العالم العربي التي نصت على حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة قد أكدت على ضرورة توفير التهيئة البيئية والترتيبات التيسيرية المعقولة للطلبة ذوي الإعاقة، بما في ذلك لغة الإشارة وطريقة بريل وسائر الوسائل التقنية والعلمية اللازمة، لتمكينهم من ممارسة حقهم في التعليم على أساس من المساواة مع الآخرين؛ فإن العديد من هذه الدول ما زالت تعاني من قصور كبير في هذا المجال يحول دون تحقق تكافؤ الفرص، ووصول الأشخاص ذوي الإعاقة في مراحل التعليم الأساسي والتعليم العالي إلى الخدمات المقدمة للطلبة من غير ذوي الإعاقة.

أنس اشتيوي
ناشط ومدرب في مجال حقوق الإنسان

You might also like

أسلوب الحياة 0 Comments

جمعية مرضى الأتاكسيا بليبيا

اسمي غادة من ليبيا تشخصت بمرض اسمه (أتاكسيا) في سنة 2006 ربما يكون هذا المرض نادر جداً وخصوصاً في العالم  العربي، عندما علمت أن هذا المرض ليس له علاج نهائياً

أسلوب الحياة 0 Comments

أميرة ديزني الجديدة

    كلنا تربيّنا ونحن نستمع إلى حكايات من وحي الخيال، ونقرأ القصص الخيالية مثل (ليلى والذئب)، (سندريلا)، (والأميرة النائمة)، وبالطبع كان لـ “والت ديزني” النصيب الأوفر، وخاصة قصة: حورية

أسلوب الحياة 0 Comments

الأحلام

الأحلام ! تكون عادةً ذات حدودٍ وهمية، وتكاد تكون الكلمات هي التي تصنع تلك الحدود، غير أنها عادةً ما تجد سبيلها لترسو في أعماقنا، فَتُنْبت فينا ما لا يمكنه أن