معذورون وليسوا معذورين

معذورون وليسوا معذورين

رمضان هو الشهر الذي فرض فيه الله (سبحانه وتعالى) على المسلمين الصيام والامتناع عن تناول الطعام والشراب من الفجر إلى وقت الغروب. وهو شهر عبادة متميز بالنسبة لمعظم الناس، ومن لا يتمكن من الصوم في هذا الشهر لأسباب صحية؛  يُشكك في إيمانهم  من قبل بعض المسلمين  الذين يحرصون على تقديم النصائح  وإصدار الاحكام المسبقة باسم ”  المساعدة .

أعتقد بأن بعض الناس لم يفهموا دين الإسلام جيداً، على الرغم من أن القرآن الكريم يشير بوضوح لا لبس فيه إلى أن الأشخاص الذين يعانون من مشاكل صحية يجوز لهم عدم الصيام في هذا الشهر ويمكنهم الصيام في أوقات اخرى في حالة تحسن وضعهم الصحي، أما الأشخاص الذين يعانون من مشاكل صحية مزمنة ولا يستطيعون الصيام نهائياً فيمكنهم تعويض ذلك؛ بإطعام شخص محتاج عن كل يوم لم يتمكنوا فيه من تأدية هذه الفريضة .

ويتعرض ذوو الاحتياجات الخاصة والأمهات المرضعات والنساء الحوامل والأشخاص الذين يعانون من اعتلال في صحتهم في بعض الأحيان إلى الشعور بالذنب لعدم تمكنهم من الصيام بسبب  تعليقات البعض المتمثلة بـ “لماذا لا تحاول الصيام وتكون عزيمتك أقوى ؟”  أو “إن الأطباء لا يعلمون شيئاً، وأن الله سوف يعطيك القوة المطلوبة للصوم “. وهذا يزيد من الشعور بالذنب لدى المعاقين والضعفاء والمرضى الذين لا يستطيعون الصيام، وكأن عدم الصوم هو اختيارهم وأن رغبتهم في تناول الطعام أقوى من التزامهم الديني.

الكثير ممن قابلتهم من الذين لديهم أعذاراً شرعية تمنعهم من  الصوم بسبب إعاقتهم أو سوء حالتهم الصحية يُخفون حقيقة كونهم غير صائمين لأنهم يشعرون بالخجل والحرج، وحتى بين أفراد أسرتهم. وقد أبلغتني فتاة -طلبت عدم الكشف عن اسمها- بأنها تعاني من التهاب المفاصل الحاد، ومشاكل صحية أخرى، تمنعها من الصيام لأنها تتعاطى جرعة عالية من الدواء بسبب الألم المزمن الذي يصيبها. ولكنها تتظاهر أمام أشقائها وأقاربها بأنها صائمة، وتنتظر والدتها لتهرب لها الطعام والشراب خلسةً عن الأعين .

وعندما سألتها لماذا تفعل ذلك وهي لديها عذراً شرعياً في عدم الصيام، أوضحت لي بأن إعاقتها غير مرئية وآلامها داخلية، لذلك فالناس وحتى أفراد الأسرة لا يستطيعون استيعاب كونها غير قادرة جسدياً على تحمل ساعات طويلة من الصيام. و لإنقاذ نفسها من أحكامهم المسبقة؛ تتظاهر بالصوم. وقد قالت لي: ” أشعر بالذنب لأني لا أتمكن من الصوم  وأفتقد تجربة صوم شهر رمضان دون أن أرى مظاهر الشفقة في عيون الناس أو اللوم لكوني مجرد إنسانة كسولة “.

قبل عام، قرأت قصة (أهبيد تشودري)، وعمره أربعة وثلاثون عاماً، والذي أصيب بضمور عضلي في سن الثالثة عشر ، مما جعله غير قادر على المشي، ولديه كذلك  ضعف بالجهاز المناعي، وعلى الرغم من حالته الصحية هذه  وضعف القدرة البدنية لديه ، قرر الصيام مع بقية أصدقائه.

وقال   “الأطباء نصحوني بعدم الصيام، وهم نفس الأطباء الذين قالوا لي سابقاً بأنني لن أعيش إلى سن الثانية والعشرون، لذا فإن رأيهم لا يعني أي شيء بالنسبة لي. والصيام الذي يفترض بأن يكون جهاداً للنفس وأنا أستمتع بالتحدي” .

وكانت عائلة (أهبيد) مهتمة جداً بصحته، وكانوا يتعمدون عدم إيقاظه قبل الفجر لتناول وجبة السحور على أمل أنه لن يتمكن من استكمال الصيام  ومع ذلك، فإن ابنهما كان يتحداهم كما تحدى المشورة الطبية.

على الرغم من أن قرار (أهبيد) أمرٌ مثيرٌ للإعجاب، ولكنني أخشى أن حالات من هذا القبيل تشجع الجمهور على التشكيك في قرار المعاقين بعدم الصيام. وتصبح المقارنة عند الناس تلقائية  “فإذا كان شخص مثل (أهبيد) يتمكن من الصيام، فلماذا لايمكنك الصيام مثله ؟ الأمر يتطلب فقط  إيمان أقوى وعزيمة أشّد “.

وبغض النظر عن حقيقة أن أهبيد معاق ولديه نظام مناعي ضعيف، فإننا لا نعرف ما إذا كان يتوجب عليه أخذ الدواء طوال اليوم، أو إذا كان يعاني من  الآلام، وما هي نتائج قراره الصيام.

 

الكثير من الناس الذين نراهم من حولنا ولا نستطيع أن نخمن ما إذا كانوا يعانون من مرض ما فليس من السهولة بمكان على سبيل المثال:  معرفة  مرضى السرطان أو السكري ما لم يتم إعلامنا بذلك، الشيء نفسه ينطبق على العديد من أشكال الإعاقة. لذلك ففي بعض الحالات يمكن للشخص المعاق الذي نعتقد أنه ليس قوياً بما فيه الكفاية للصيام أن يفعل ذلك إذا لم يكن بحاجة لتناول الدواء أثناء فترة الصيام، في حين أن الشخص الذي يبدو بصحة جيدة والذي يفترض أن يكون قادراً على الصيام قد لا يقدر على ذلك بسبب العلاج الطبي الذي يخضع له . 

عندما كُنتُ  طفلة قمت بالصوم في شهر رمضان بعد أن تحديت نصائح أمي والطبيب، ونتيجة ذلك فقد كانت معاملة أهلي لي وكأنني قمت بعمل بطولي، عائلتي كانت فرحة جداً بقراري وكنت أعرف أنه من خلال محاولتي الصيام على الرغم من العجز الذي ولدت به، سوف تتم مكافأتي، بالإضافة إلى ذلك كنت على قناعة بأن  صومي هذا سيغير نظرة الناس للمعاقين وهو تحدي للصورة النمطية المعتادة لمثل هذه الحالات .

أما الآن فأنا أدرك أنه من خلال عدم الصيام وإظهاره علناً ​​أرفع الوعي عند الناس؛ إذ ليس هناك ما يخجل منه المرء في الاعتراف بأنه لا يستطيع الامتناع عن الطعام والشراب، وأنه لن يكذب اُو يحاول إخفاء ذلك، وفِي النهاية فهذه إرادة الله سبحانه وتعالى التي تجعلني لا أتمكن من الصوم ، فلماذا التحدي أو الكذب في هذا الشأن .

وللأسف فهناك الكثير من الأشخاص المعاقين أو المرضى يشعرون بالخجل لعدم الصوم ويحاولون إخفاء ذلك بدون مبرر. في حين أن القرآن الكريم قد  منعنا من رمي أنفسنا في التهلكة  فلماذا نتجاهل هذا الأمر؟

هنالك العديد من الطرق الأخرى التي يمكن من خلالها تحقيق الاستفادة القصوى من شهر رمضان. هذا الشهر هو شهر عبادة بإمتياز وَلَيْس فقط للإمتناع عن الطعام والشراب! إنه الوقت الذي تتقرب فيه إلى الله عزوجل من خلال الصلاة، والقيام، والدعاء، إضافة إلى تقديم المساعدة لمن هم في حاجة ماسة إليها. فالقيام بالأعمال الخيرية لن تساعدك فقط على البقاء في صحة جيدة، ولكنها تقدم العون والمساعدة لأشخاص آخرين  . 

أعتقد جازمة بأن السلوك الاجتماعي  له نفس أهمية الممارسة الروحية، إذ ما فائدة من يصوم ويصلي، ولكنه ينتقد الآخرين لعدم صيامهم، والحكم عليهم دون معرفة الحقائق ومعاملتهم على أنهم أقل شأناً ؟ في رأيي إن شهر رمضان هو أكثر من مجرد القيام بمنفعة لأنفسنا فقط مثل الصيام، والصلاة  وغيرها، ولكنه ينبغي أن يكون شاملاً لكل أوجه الخير ومساعدة الآخرين والعمل على تخفيف معاناتهم، بدلاً من إطلاق الأحكام عليهم .

بقلم: ريـــــا الجـــــادر

ترجمة:  مريـــم الدباغ

You might also like

أسلوب الحياة 0 Comments

انتشـار ظاهرة الاستهزاء بذوي الإعاقة

    صفة تقبل الآخر رغم اختلاف  الصفات التي تجدها في المجتمعات الراقية أخلاقياً ومن بوادر التعليم العالي المستوى  في الآونة الأخيرة انتشرت ظاهرة الاستهزاء بذوي الإعاقة عن قصد أو

أسلوب الحياة 0 Comments

(علمني (تينو

 .ا( 3 أيار 2002م ) مازلت أذكر هذا اليوم كما لو أنه البارحة، كأنني غفوت قليلاً لأستيقظ من غفوتي وأجد محمد (تينو) في الرابعة عشر من عمره أذكر لحظة ولادته

أسلوب الحياة 0 Comments

جمعية مرضى الأتاكسيا بليبيا

اسمي غادة من ليبيا تشخصت بمرض اسمه (أتاكسيا) في سنة 2006 ربما يكون هذا المرض نادر جداً وخصوصاً في العالم  العربي، عندما علمت أن هذا المرض ليس له علاج نهائياً