انتشـار ظاهرة الاستهزاء بذوي الإعاقة

انتشـار ظاهرة الاستهزاء بذوي الإعاقة

 

 

صفة تقبل الآخر رغم اختلاف  الصفات التي تجدها في المجتمعات الراقية أخلاقياً ومن بوادر التعليم العالي المستوى 

في الآونة الأخيرة انتشرت ظاهرة الاستهزاء بذوي الإعاقة عن قصد أو عن غير قصد – فإطلاق كلمة معوق على أي شيء أصبح مألوف، فمثلا في المباريات عندما لا يؤدي  اللاعب مباراته في القمة يقول  المشجعون عنه (وكأنه معوق)، أو (منتخب المعوقين

انتشرت  في الآونة الأخيرة ظاهرة دخيلة على المجتمع الجزائري وهي أيضاً محرمة في تعاليم ديننا الإسلامي وهي ظاهرة الاستهزاء بالآخر كيفما يكون هذا الشخص الآخر فلا يجب أن نستهزئ أو نسخر من شكله أو لون بشرته

فما بالك عندما تسخر من الأشخاص  ذوي الإعاقة عامة وأطفال متلازمة دوان على وجه الخصوص ،حيث انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي و موقع اليوتيوب الشهيرفيديوهات لشباب أقل ما أقول عنهم أنهم مراهقين لا يعرفون مدى الألم الذي يسببونه لعائلة هذا الطفل أو ذاك

يضعون فيديوهات تظهر نوع من السخرية تبدأ من الرقـــــــــــص لتمتد حتى التخويف بالكلاب والضرب لوضعها على موقع الفيسبوك لغرض رخيص؛ وهو جمع الإعجابات و التعليقات

و من أبرز الأمور التي تهتك حرمة الإنسان هي السخرية وجعله عرضة لضحك ولهو الناس، صحيح أن هناك من المجتمع الجزائري من لا يقبل إهانة ذوي الإعاقة في مقاطع الفيديو وينبذها ولا يحب مشاهدتها

أتمنى من الجميع معرفة مدى المعاناة التي يعيشها المعاقين لأنني في الحقيقة أعرف جيداً مدى معاناتهم

يقولون : المعاق هو معاق الأخلاق

جمله دائما يكررونها ولو حرصوا على تطبيقها لوجدنا الأشخاص ذوي الإعاقة حقيقة لا يحملون صفة المعاق

و بالرغم من الأذى الكبير التي تسببه كلمة معوق نجد العديد والعديد من الإعلاميين يستعملون كلمات تخدش مشاعر ذوي الإعاقة لأن قائلها يوحي بأن الإعاقة ذنب أو ضعف.

فلو لاحظنا القوانين والمراسيم التي وضعت لرعاية ذوي الإعاقة، نجد أن تطبيقها ليس ظاهر وغير مطبق على أرض الواقع و العامل الأكبر الذي ساعد على عدم تطبيق القوانين و المراسيم

  • الجمعيات: حيث تقتصر نشاط الجمعيات في التركيز على يومين فقط في السنة و هما اليوم الوطني لذوي الإعاقة 14 مارس من كل عام و 03 ديسمبر اليوم العالمي

فلو كثفت هده الجمعيات نشاطاتها في كل أيام السنة لما تركنا الفرصة لهؤلاء المراهقين استغلال الفراغ الحاصل و تحويلها الى سخرية وإذلال. في الوقت الذي كنا نحن نستطيع تحويل هذه الإهانات إلى ترقية عن طريق التوعية

و في ظل كثرة استغلال الأشخاص ذوي الإعاقة من قبل بعض الجمعيات -وحتى لا نعمم لكي لا نظلم أحداً-  ساعد هذا الفراغ على انتشار ما يسمى بـ(النفاق الاجتماعي

فلنعود إلى المجتمعات الغربية في القرون السابقة كيف كانت تعامل فئة ذوي الإعاقة ونقارنها مع المجتمعات العربية في نفس الزمن .

وإذا نظرنا -سريعًا- إلى تاريخ الغرب مع ذوي الاحتياجات الخاصة، نجد مجتمعات أوروبا القديمة قد شهدت إهمالاً واضطهادًا صارخًا لهذه الفئة من البشر، فلقد كانت هذه المجتمعات -حكامًا وشعوبًا- تقضي بإهمال أصحاب الإعاقات، وإعدام الأطفال المعاقين وكثرة السخرية منهم حتى توصل عدد كبير من الأشخاص ذوي الإعاقة إلى الإنتحار
وكانت المعتقدات الخاطئة والخرافات هي السبب الرئيسي في هذه الانتكاسة، فكانوا يعتقدون أن المعاقين عقليًّاً هم أفراد تقمصتهم الشياطين والأرواح الشــريرة. وتبنّى الفلاسفة والعلماء الغربيون هذه الخرافات، فكانت قوانين (ليكور جوس) الإسبرطي و(سيولون) الأثيني تسمح بالتخلص ممن به إعاقة تمنعه عن العمل والحرب، وجاء الفيلسوف الشهير (أفلاطون) وأعلن أن ذوي الاحتياجات الخاصة فئة خبيثة وتشكل عبئًا على المجتمع، وتضر بفكرة بناء الدولة .. أما (هيربرت سبنسر) فقد طالب المجتمع بمنع شتى صور المساعدة لذوي الاحتياجات الخاصة، بزعم أن هذه الفئة تثقل كاهل المجتمع بكثير من الأعباء دون فائدة.
بيد أن العرب -وإن كانوا يقتلون البنات خشية العار- كانوا أخف وطأة وأكثر شفقة عليهم ، وإن كانوا يتعففون عن مخالطة ذوي الاحتياجات الخاصة أو الجلوس معهم على مائدة طعام الاحتياجات الخاصة
كانوا العرب أشد شفقة على ذوي الإعاقة من المجتمع الغربي، طبعاً كان المجتمع العربي أيضا لا يقبل زواج المعاقين ويكثرون من استغلالهم في الأعمال الشاقة وغيرها 

لكن في زمننا هذا انقلبت هذه الظواهر رأســــــــــاً على عقب وحصلت فوارق عجيبة غيرت المفاهيم.. فالآن نرى إهتمام واسع جداً بفئة ذوي الإعاقة في المجتمعات الغربية عامة، حيث أصبح المعاق هناك إنسان ذو أهمية قصوى، يستشيرونه في كل شيء ولكن هنا في وطننا إنسان ضعيف  

نقرأ أخبارًا كثيرة عن إنجازات المعاقين في الغرب وما يصلون إليه من تقدم مستمر متحدين في ذلك إعاقاتهم بشتى درجاتها 
حاملين على أعتاقهم طموحًا وإصرارًا ليس له حدود وناصبين أمام أعينهم أن الإعاقة ليست هي النهاية ما دام أن هناك عقلٌ مليء بالأفكار وروح تهوى التحدي فليس هناك شيء مستحيل الوصول إليه في ظل توفر كل السبل المعينة للمعاق على الإبداع اللامحدود

ومن هذا المنطلق استطاع كثير من معاقي العالم الغربي إثبات أنفسهم وفاعليته ليس فقط على مستوى مجتمعاتهم بل على مستوى العالم أجمع. و بهذه النظرة نثبت للجميع ممن يستهزؤون من ذوي الإعاقة أو يسخرون منهم أو يستحقرونهم أنه لا يوجــــــــد شخص معاق بل هنــــــــــاك مجتمع يعيـــــــــــــــــق

و استكمالاً لهذا الموضوع بالغ الأهمية والخطير قمنا باستطلاع لآراء بعض الأشخاص من المجتمع  فكانت ردة فعلهم حزينة بسبب هذه التصرفات

حيث قالت لنا (أم ملاك) التي  تعاني ابنتها ملاك من متلازمة دوان:

 

 أنا ليس عندي حتى مشكل لأن هم خلق الله لي يسخر عليهم و يشتمهم كأنه تعدى على خلق الله و ربي و كيلو قادر يمدلو” الأصعب لكن بالنسبة لي و الله ما أرى شخص أمامي يقوم  بالسخرية و الله يشوف الويل مني حتى لو كان اقرب انسان ليا و مش غير على متلازم الداون على اي انسان يكون محتاج لييا و مضلوم و ربي معانا و معاهم” 

أي  بالفصحى 

أنا ليس عندي حتى مشكلة لأنهم خلق الله، الذي يسخر منهم و يشتمهم كأنه تعدى على خلق الله، وربي وكيله قادر أن يعطي” الأصعب له، لكن بالنسبة لي و الله ما أرى شخص أمامي يقوم  بالسخرية إلا ويرى الويل مني حتى لو كان أقرب إنسان لي و ليس على من لديهم متلازمة داون فقط  بل على أي إنسان يكون محتاج لي و مظلوم وربي معنا ومعهم “

في حين صرح لنا الأستاذ أسامة بوغازي وهو مدير أكاديمية المرجان للتدريب و الاستشارات في مجال التنمية البشرية :

بخصوص السخرية فإنها تنبع من بعض الشباب الذي لديه تضارب في القيم وغير واعي بالواقع وباختلاف طبائع وشخصيات البشر

و غالبا تجده شاب غير منتج و لديه مشاكل مع العائلة هو مصدرها بالأساس ومشاكل اجتماعية من خلال صعوبة التواصل الجيد مع الآخرين

الخلاصة أن هؤلاء الشباب لديهم عدم استقرار في المشاعر وصعوبة في معرفة الخطأ من الصواب

و عند سؤالنا له: في نظرك أستاذ هل من وسائل لردع و إزالة هذه التصرفات التي لها نتائج سلبية وتتطور لخوف عائلة المعاق من ترك ابنهم للاختلاط مع المجتمع الذي من المفروض أن يكون عون لإدماجه؟

أجابنا “يجب معرفة و ترتيب القيم وفق برنامج تكويني لأن هذا تخصصي و أتكلم في مجالي، كما يجب على ذوي الاحتياجات الخاصة تبني فكر ووعي كاف ليستقل بنفسه عن التأثيرات السلبية لبعض المظاهر لأننا في الحقيقة لا يمكننا تغيير فكر كل الأشخاص

:و أفادنــــــــا رئيس جمعية إصرار للمكفوفين/ محمد قـــــــــــــاسمي بالتصريح الآتي:

 إن السخرية من المعاقين من بعض المراهقين تنمو عن عدم وعي و البحث عن أي شيء يثير ضحكهم الخطأ ليس خطؤهم بل بسبب نقص التوعية وأن المعاق ليس موضع للسخرية ، إلا حالتهم الهشة وعدم التعلم والفقر يدفع الإنسان إلى أن يفعل أشياء بنفسه عدوه لم يفعلها به

أما من  الناحية القانونية فسألنا الأستاذ المحامي/ محمد بن علي مزغيش

فكان رده كالآتي: ” هذا فعل مُجرم ومنافي للإنسانية ويعتبر شكلاً من أشكال التميز العنصري قد اختلف معك من حيث الجسد لا يعني إنني نقيصة أو أقل منك شأناً. الاختلاف أساس التنوع البشري بيتهوفن ألف معزوفاته الموسيقية وهو أصم كان يرى التصفيق ولا يسمع أعماله، أليس الاختلاف عبقرية؟ أليس ميسي كان يعاني من إعاقة؟ والقائمة طويلة الإعاقة هي في مجتمع مريض ونفوس معقدة مات فيها الإبداع وتدعي زعامة العالم”

وٍسألناه  عن الأساليب التي يمكننا بها ردع و إيقاف هذه التصرفات، فقال:” لا يمكن رد الاعتبار لهم إلا إذا تغيرت نظرة السلطة لهذه الفئة التي مازالت تنظر لها الوزارة الوصية نظرة المتشدق أو فئة العالة وسامحني في هذا اللفظ الجارح. القانون وحده غير كافي يجب إرساء ثقافة احترام الآخر والإعلام له دور كذلك فهو شريك في الجريمة.

و في النهاية ندعو المجتمع الجزائري لمواجهة هذه التصرفات وعدم مساعدة هؤلاء الأشخاص في التشهير بهذه التصرفات اللا أخلاقية التي هيا طبعاً تهين وتعود على أصحابها ولا تمثل سوى ضعف لشخصياتهم وعدم إحساسهم و احترامهم لشعور الآخر

كما ندعو الإعلام المرئي والمكتوب والإذاعات المحلية والوطنية وأئمة المساجد ندعوهم لتوعية المجتمع بمخاطر هذه الأفعال التي تضر بمجتمعنا وترخي مقومات التضامن فيه

و نستدل بالآية الكريمة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)

( سورة الحجرات)

بقلم : يونـــس عــــلاء

You might also like

أسلوب الحياة 0 Comments

كيفية مساعدة الأشخاص ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة

 ذوالإعاقة والاحتياجات الخاصة هو: أي شخص يعاني من إعاقة جسدية أو عقلية تحد بشكل كبير من نشاط حياتي واحد على الأقل، يوجد الكثير مما يمكنك تعلمه إذا أردت مساعدة ذوي

أسلوب الحياة 0 Comments

العبقرية والنبوغ رغم الإعاقة

إن العبقرية والنبوغ هبة يرزقها الله لمن شاء من عباده، واصطفاء لبعض خلقه، ويجب أن يتوفر لدى صاحب هذه الموهبة الطموح والإرادة والإصرار على النجاح والإبداع. ولا يوجد حائل أمام

أسلوب الحياة 0 Comments

الدعم على شبكات التواصل الإجتماعي

تعلمت في العمل مبدأ  “نقل المعرفة” أي نقل المعلومات المتاحة والمهمة من شخص لآخر؛ لكي يستطيع استكمال العمل المطلوب، أو أي مهمة مطلوبة باستمرار. وظهرت بالفعل طرق كثيرة لنقل المعلومات