ذوو الاحتياجات الخاصة في الفن والأدب

ذوو الاحتياجات الخاصة في الفن والأدب

للقراءة دور إيجابي وفعال في صقل الشخصية وتطوير قدرات الفرد وثقافته، ومن خلال مطالعتي للعديد من الكتب والأعمال الأدبية المتنوعة وخلال حديث مع الصديقة الشغوفة بالعمل والإنجاز. صاحبة الريادة والملهمة بالكثير من الإيجابية العزيزة (ريا الجادر) .، حول دور القراءة وأهميتها في رفع المستوى الثقافي والمعرفي وتطوير الوعي لدى فئات المجتمع كافة. وما لها من دور مهم في التوعية والتطوير بما تتضمنه من قضايا ورسائل متنوعة هادفة تخدم المجتمعات والأفراد إضافة إلى الدور الأساسي والمتميز للقراءة والتي تعتبر رافد أساسي وضروري بما تقدمه للقاريء من أعمال أدبية هادفة ترتقي بمستواها  اللغوي ومضمونها، وتفتح لدى القاريء آفاق عديدة على العالم الواسع  تمكنه من الاطلاع على الكثير من التجارب وتزوده بمعرفة واسعة في مجالات متعددة، كما أنها تساهم في رفع الوعي لدى الفرد وتثري حصيلة المعرفة والثقافة.

نظراً لمتطلبات العصر والتطور الذي نشهده هنالك دور أساسي ورئيس للإعلام بما يقدمه من مادة تدخل لبيوت الناس كافة وتعمل على التأثير سواء إيجابياً أو سلبياً. ضمن برامجها الهادفة ،البرامج الترفيهية ، إضافة للعديد من المواد التي تدخل ضمن تصنيفات واهتمامات عديدة بمجملها تكون القوة المؤثرة على الأفراد ضمن مجتمعاتهم والبيئة المحيطة.

القراءة بما تحتويه من مواد أدبية وعلمية ومعلوماتية..الخ أو البرامج الإعلامية المقدمة من خلال قنوات التلفزة الفضائية ووسائل الإعلام كافة لها دور أساسي وفعال في التأثير ونشر الوعي، ونظرا لأهمية هذا الدور يقتضي العمل على تقديم الأعمال الهادفة مما يحتاجه المجتمع سعياً لتطوير الوعي الثقافي والأخلاقي والانتمائي لدى أفراده.

بعد بحث واستقصاء عن أي من الأعمال الأدبية أو التلفزيونية سواء الأعمال الدرامية أو الأفلام ممن تضمن أو تطرق إلى    ذوي الإحتياجات الخاصة من كافة الجوانب سواء الجسددية ، النمائية أو النفسية والعقلية، إن كان طرحاً للتقبل ، التعايش والدمج فهي أعمال قليلة في عالمنا العربي وتكاد لا تذكر مقارنة بحجم الأعمال الأدبية والتلفزيونية والسينمائية في المجمل. وهذا مؤشر لمدى تفاعل المجتمع مع الفئات جميعها، والأولويات المطلوبة وما يلاقي الإستحسان والقبول. ومقارنة بسيطة بين الواقع العربي والوعي الجمعي تجاه الأفراد وما بين المجتمعات الغربية، نجد فرق واسع، لعدة أسباب أهمها التقبل والطرح.

إن الأساس المبني عليه تقبل ودمج فئة ذوي الإحتياجات الخاصة  في المجتمعات العربية -باستثناءات متفاوتة لبعض الدول ممن ينتهج أساليب أكثر مرونة وفعالية بالخصوص-  والواقع بمجمله يؤكد على الإجحاف الواضح والتقصير تجاه هذه الفئة  وعدم القدرة على التقبل الصحيح حتى إن إعتقدنا كأفراد أن تقبلنا لأي من الأشخاص في محيطنا مبني على قناعة راسخة وإيمان بمنح الفرص لكافة الأفراد بما يتناسب مع قدراته،  لكن الواقع من التجارب والخبرات في الحياة اليومية وما نشهده من ممارسات سواء وعينا لها أم كانت تصرفات عفوية تعطي بمجملها تقييم أقرب للحقيقة مما هو معتقد، والحقيقة مفادها أن تقبل الشخص لا يعني أبداً اظهار التعاطف أو الشعور بالحزن والشفقة، وما يمارس من قبل الأشخاص من نظرات فضولية أو تعليقات تفيد بالمؤازرة والتضامن، التأثروالحزن.. هي أكثر ضرراً على هذا الشخص من رفضه أو نبذه، لأن الفكرة بالأساس منظور مشوه يجعلنا غير قادرين على اجتثاث ترسبات سلبية لا واعية تظهر من خلال ردات أفعالنا حتى وإن كنا حذرين من إظهارها، على اعتبار القناعة الراسخة بأن ذوي الاحتياجات الخاصة الفئة الأضعف غير القادرة على تحمل المسؤلية وبالتالي الحاجة المستمرة للرعاية والعناية بشؤونهم.

وتتزايد حدة ردات الأفعال من بيئة لأخرى تأثراً بالمجتمع المحيط، ودرجة وعي الأفراد، القدرة على توفير مستلزمات الحياة وتذليل الصعاب للفرد بما يضمن حصوله على مقومات الحياة كما ينبغي من رعاية صحية وتعليم.. إلخ. وما زال في بلادنا التفكير النمطي لدى البعض إن رزق الإنسان بطفل ممن لديه مشكلة أو اضطراب نمائي معين أو نوع من الإعاقات السمعية أو البصرية أو الجسدية..إلخ، هو ابتلاء من الخالق وعليه الامتثال لحكم الله وقدره فيحسن رعاية ابنه او ابنته لإظهار الإيمان بالقدر وسيؤجر عليه جزيل العطايا إن صبر وشكر ربه. لكن الفكرة الأساسية التي يبني عليها الأفراد باعتبار هذا الطفل ابتلاء هي الفكرة الخاطئة ، إنما هي مكافأة وهبة من الخالق أكرم بها الشخص بأن رزق بطفل مصاب باضطراب ما..لكن لا يعني إنكاره او إلغاءه أو الخجل منه وكأن عيباً أصابه. الفشل والنجاح محركهم الأساسي وجود الدافع والإيمان بالقدرات الذاتية والمثابرة والجهد المتواصل لبلوغ الهدف وتحقيق التميز والإنجاز .

بينما نجد العقل الغربي يتعامل وفق قناعة مختلفة تماماً هي أساس تكوين الأفعال وردات الأفعال تجاه أياً كان. وهذا الاعتقاد الراسخ مجمله أن الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة لا يجب تسميتهم بأي مسمى او إعطاء أي تصنيف أو إدراجهم تحت أي إشارة بخصوصية، فهم ورغم صعوبات وتحديات الحياة نجد المثابرة والعمل والالتزام من قبل العديد من الأشخاص الفاعلين في مجتمعهم، والأمثلة عديدة ممن أضاف وأنجز وترك بصمة واضحة راسخة في شتى المجالات رغم ما نعتبره نحن كمجتعات ونمارسه كأفراد.

إن نسبة ذوي الاحتياجات الخاصة لا تقتصر على من خلق بنقص معين أو لديه اضطراب ما، ما شهدناه خلال السنوات المنصرمة وحتى يومنا هذا من نزاعات وحروب وما يترتب عليها من آثار مدمرة سبب رئيسي لارتفاع هذه النسبة نظراً للتعرض لإصابات جسيمة، كذلك عدم القدرة وقلة الموارد المادية والفقر والحاجة يعزز ما تخلفه الحروب من أضرار، وحسب إحصائيات مؤسسات الرعاية الصحية والمؤسسات الدولية لقانون الإنسان نجد أن الدول التي شهدت نزاعات وحروب سجلت ارتفاع ملحوظ بمن يندرج تحت فئة ذوي الاحتياجات الخاصة. مثل فلسطين، العراق، اليمن ، سوريا. وأن أغلب الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة لا يجدون الرعاية المناسبة ويعانون الإهمال سواء من قبل الجهات الرسمية أو من قبل الناس المقربين لهم 

تناول الأدب في بعض أعماله ذوي الاحتياجات الخاصة بالتركيز على الجوانب الإيجابية، ونجد بعض الأعمال الفنية والأدبية قد تناولت موضوع الإعاقة والحاجات الخاصة بطريقة مجحفة إما بإظهار سلبية أو مبالغة بقوة ،غير مكترثة لما يترتب عليها من تأثير وتداعيات

عادة ما تستقي الأعمال الأدبية والفنية مواضيعها بناءً على ثقافة المجتمع السائدة به ووفق قيمه، وقد تطورت على مدار السنوات الكثير من المفاهيم نظراً لزيادة وعي الأفراد والمعايير وبالتالي المتطلبات. وقد كانت باكورة الأعمال الادبية ممن طرحت خصوصية  لذوي الاحتياجات الخاصة مع بداية القرن التاسع عشر للكاتب الفرنسي (فيكتور هوغو) “أحدب نوتردام” وتزايد الاهتمام مع بداية القرن العشرين.

على صعيد الأدب العربي نجد للكاتب والمفكر المصري(طه حسين) باكورة الأعمال بسيرته الذاتية الروائية “الأيام

في زخم ما تقدمه القنوات التلفزيونية والأعمال السينمائية العربية نجد أن ما يذكر بالخصوص هي أعمال قليلة ومن أهم وأبرز هذه الأعمال التلفزيونية:

في الدراما السورية (وراء الشمس)  بطولة بسام كوسا ومنى واصف والتي سلطت الضوء على تقبل الأسرة لطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، التحديات والمعيقات في المجتمع ولدى الأفراد. مدى تأثر الفرد بمجتمعه والوصمة الاجتماعية، القدرات والإمكانيات المتوفرة لتذليل الصعاب والتحديات على مستوى الأفراد بشكل خاص والمجتمع عموماً.  تضمن العمل الدور الرئيسي المتمثل بشخصية الابن الشاب والمصاب بإعاقة عقلية منذ الولادة والمعتمد كلياً على والدته. إضافة لدور ابن لديه متلازمة داون ومدى تفاعل الأسرة والبيئة المحيطة به. وسيدة سترزق بطفل اتضح اصابته بمتلازمة داون وما واجهته من صراع شخصي بين دور الأمومة والقرار بإجراء اجهاض لجنين مكتمل النمو، صراع مع العائلة والزوج والبيئة المحيطة. هي قضية شائكة تجد هذا التناقض بين ما لدى الأفراد من الإيمان والتسليم بالقدر، المعايير والقيم  الممارسة والمتقبلة قولاًو المرفوضة فعلاً

للسينما “الفن السابع” ومنذ بداياتها حتى اليوم  قدرة متميزة في الوصول لجميع فئات أفراد المجتمع باختلاف الأطياف ،الانتماءات والاهتمامات..سواء بما تقدمه من أعمال مستمدة من واقع الحياة أو الخيال، نظراً لوصولها لجمهورها الواسع فقد ساهمت بتشكيل الوعي والرأي العام في المجتمع، وبالتالي استطاعت أن تؤثر على طريقة التفكير تجاه مختلف القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية، كذلك تغيير الأفكار النمطية والتأثير بإيجابية بأن تبرز قضية أو تلغيها من خلال قوة المضمون والحبكة، الأدوار والإخراج ضمن إطار فني يساهم في جمالية العمل وتقبله.

من أبرز الأعمال العربية في السينما المصرية فيلم( توت توت) عام 1993م، بطولة نبيلة عبيد  في دور فتاة لديها إعاقة عقلية تعيش وسط حي شعبي تتعرض للاستغلال، تكمن أهمية هذا العمل في تسليط الضوء على تعامل المجتمع المحيط بالأشخاص محدودي القدرات لرعاية أنفسهم أو التواصل مع الواقع المحيط، وما يتعرضوا له من إهمال تعكس درجة وعي البيئة المحيطة ومدى الضرر والظلم الواقع عليهم والاستغلال الممارس ضدهم.

كذلك يطرح الفيلم الروائي المصري ” كت كات”عام 1991م، المستمد من رواية “مالك الحزين” للكاتب المصري (ابراهيم أصلان) شخصية الشيخ الضرير حسني وتعايشه مع واقعه المظلم.

من أبرز الأعمال السينمائية الاجنبية:

عطر إمرأة: فيلم درامي أمريكي إنتاج عام 1992م، بطولة( روبيرت دي نيرو) بدور عميد متقاعد كفيف، فقد نظره خلال خدمته بالجيش، الفيلم قدم صورة واقعية عن الشخص الكفيف بسلبياته وإيجابياته، صورة تختلف عن الفكرة النمطية السلبية مما ترك بصمة جميلة وأعطى صورة معبرة.

اسمي سام: فيلم درامي أمريكي إنتاج عام 2001م، بطولة (شون بن) بدور أب لديه إعاقة ذهنية وعلاقته بابنته، الصعوبات التي يواجهها للعناية بطفلته بمفرده، الفيلم يسلط الضوء على مشكلة حقيقية يتعرض لها الأشخاص من ذوي الإعاقة الذهنية ومدى قدرتهم على الإنجاب و العناية بالأطفال، تم طرح القضية بشكل موضوعي وشفاف دون المبالغة أو أي نظرة سلبية.

رجل المطر: فيلم درامي أمريكي إنتاج عام 1988م، بطولة (داستن هوفمن) بدور الأخ الأكبر لديه اضطراب التوحد ، إضافة لقدرات ذهنية متميزة في مجال العمليات الحسابية والحفظ. وهنا يسلط الضوء على إمكانية أن يرافق الاضطراب قدرات متميزة أو موهبة تفوق أداء الأشخاص العاديين.

فوريست جامب: فيلم أمريكي عن قصة للكاتب ويستون جروم، بطولة (توم هانكس) يقوم بدور شخص لديه ضعف إدراك إضافة لإعاقة جسدية، حرصاً عليه ترفض والدته إدخاله مدرسة خاصة بالمعاقين. يتعرض للتنمر من قبل رفاق الصف فيبدأ الجري ويفقد الدعامات الساندة لقدميه، فكرة الفيلم التركيز على ما لدى الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة من قوة وقدرات ومواهب.

إن واقع الحال للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في مجتمعاتنا العربية لا يلقى الاهتمام الكافي من توفير الرعاية الصحية التعليم، التأهيل ..إلخ وهذا الإهمال متفاوت من بلد لآخر وما تقدمه الدول من خدمات لا تكفي ولا تعطي الفرصة لذوي الاحتياجات الخاصة لاستثمار قدراتهم وإمكانياتهم ومواهبهم، أو من خلال دمجهم في المجتمع بتسهيل المعيقات وتخطي الصعوبات، أو تأهيلهم لما يتناسب وقدراتهم رغم أن فئة ذوي الاحتياجات الخاصة تشكل نسبة مرتفعة

إن طرح قضايا، معيقات وتحديات الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة ومعالجتها من خلال الأعمال السينمائية والأدبية سيكون له اثر واضح في تغيير الأفكار النمطية ورفع الوعي والتقبل الصحيح وتوفير الاحتياجات لتسهيل الدمج في كافة المجالات.

بقلم: هبة مهتدي

You might also like

مقابلات 0 Comments

مسرح الظلام

المسرح ممارسة إنسانية حضارية باعتباره أهم أشكال التعبير، وممارسة عملية لإتاحة روعة التواصل الحقيقي والحميمي بين البشر أو الجمهور في مكان وزمن محدد؛ وذلك للتفكير المشترك في قضية معينة، لتتداخل

الترفيه 0 Comments

مبادرة عمار

يزيد حرص الوالدين على أبنائهم إن كانوا من ذوي الاحتياجات الخاصة، من جميع النواحي.. فمشاعر الخوف و الأمل المتضاربان لصغيرهم ومستقبله الرمادي يشغل كل دقيقة من تفكيرهم منذ بداية لحظة

الترفيه 0 Comments

كفيف (باب الحارة).. ملاك أم شيطان؟

  ًفي وطننا العربي يميل البعض إلى التطرف في كثير من جوانب هذه الحياة؛ فإما أن يكون ذاك الجانب ملاكاً طاهراً أو شيطانا رجيماً، فإن أحببنا شخصية حملناها على الأعناق