الصبر والمثابرة

الصبر والمثابرة

منذ أن ولد علي وعلمت أن لديه متلازمة داون.. كان كل همي هو فعل المستحيل من أجله ومن أجل أن يكون طفلاً صالحاً في مجتمعنا! وكان كل همي عدم التقصير معه والبحث منذ الشهر الأول عن كل ما يحتاجه.. وأول بحثي كان ما هي متلازمة داون، والبحث عن قصص نجاح في مختلف البلاد، وكان هذا الأكثر إيجابية علي الإطلاق، وبعث داخلي الأمل واليقين بقدرة الله علي تحقيق ولو جزء صغير من قصص النجاح المختلفة، وكنت قد عاهدت نفسي أنني في قمة الرضا بما قسمه الله لي، وأنه حتى لو قيل لي أنه سيظل صغيراً ولن يكبر أبداً؛ لكنت أعطيته نفس قدر الحب والاهتمام، وعاهدت نفسي أن أستمتع بكل يوم أقضيه مع علي وأن أكمل ما قرأته عن الأطفال بل زادت قراءتي لمزيد من المعرفة والفهم لمتلازمة داون ، و كان كرم الله كثيراً ونعمه لا تحصى، وكان من ضمن ما قرأت أن الأم أو الأهل هم من يحددون نظرة الناس لطفلهم ولطالما كانت نظرتهم كلها فخر واعتزاز كلما تعامل معه الناس بهذا الشكل وتركوا تلك النظرة القاتلة! (نظرة الشفقة) والعطف والخجل مما أصابني وأصابه، والحمدلله لقد استطعت تغيير الكثير من الأمهات ونظرتهم لأبنائهم، وتعرضت مرة لسؤال ”  هل تخجلين منه و هو معك؟”     ” أخجل!..  ماذا تعني  كلمة أخجل.. ابني هو أنا وأنا هو ابني!! من  يحترمني  يجب أن يحترم ابني ويتقبله!” وكنت أصر  كلما قابلت أي شخص أن يحترم ابني ولا يبعد أولاده بعيداً عنه أو لايمنعهم من اللعب معه

وبعد فترة قصيرة تقريباً عام ونصف من الالتزام بالتدخل المبكر مع تصميمي على أن يدخل علي حضانة مع أطفال “عاديين” -مع تحفظي علي اللفظ- استطعنا أن نثبت لمركز التدخل أن الدمج أفضل شيء لأطفالنا وبدأت محاضرات مع الأمهات الجدد عن بث الأمل والتفاؤل وطلبوا مني أن أكون موجودة للأمهات الجدد وتوجيههم نحو حب أبنائهم ودمجهم وسط أهلهم وأصحابهم ومجتمعهم بدون أي تحفظات وكان تقدم علي مذهل الحمد لله، وتم تخريجه من مركز التدخل المبكر عند سن سنتين وأكملت في إعطاء ندوات للأهالي الجدد وكان هذا الحمد لله دافع يقويني، وكان دائماً عندي يقين في كرم الله وإيمان قوي أن ربي يهديني للطريق الصحيح في اختياراتي، لأني دائماً كنت أدعوه وكان فضل الله عظيماً، ففي سنوات علي الأولى في الحضانة تعرف علي كثير من الأصدقاء وحتي هذه اللحظة هم أهم أصدقاء بالنسبة له على الرغم من أنهم في مدارس متفرقة ومنهم من سافر لكنهم  دائمًا ينتظروا تجمعهم مرة أخرى

 وعند إتمام علي الثلاث سنوات بدأنا بالالتحاق ببعض الألعاب الرياضية في النادي، دخل التوجيه الرياضي وهذا مجرد  تدريب للياقة، وكان المدربين متفهمين الحمد لله، وبعدها تم الإعلان عن مدرسة الجمباز، وقررت أن ألحق علي بها مع أصحابه الذين معه في الحضانة، وكان علي بدأ الكلام، و ذهب أول يوم مرتدي ملابسه وفي قمة سعادته، وفي مدرسة الجمباز نقوم بترك الأطفال بمفردهم وهذا كان أهم أهدافي لإلحاقه حيث أنه يبدأ بالانفصال عني والاعتماد علي نفسه، وكانت الطامة الكبرى، أول ما رأت المدربة (علي) نظرت لي وله، وبقمة العجرفة وهي تشير إليه بإصبعها “لا لا.. هذا يجب أن يتمرن مع الاحتياجات الخاصة.. هذا لا يأتي إلى هنا” و نزل كلامها كالسكين في قلبي، ونزلت ب (علي) ليغير ملابسه وهو يسأل “سيف صديقي  مازال فوق.. وأنا لماذا نزلت ؟!” و غصب عني ولأول مرة أبكي بكاءً شديداً لإحساسي بالعجز لعدم الإجابة وتفسير ما حدث خصوصاً بعد تمهيد أنه سيظل لوحده في التمرين، وكان إحساس القهر صعب جداً ولكني تماسكت وطلبت من زوج إحدى صديقاتي أن يتحدث مع المدربة، وفعلاً طلبت مقابلتي، ولكن قبلها ذهبت لمدير النادي لتقديم شكوى ضدها وضد أسلوبها، وطلب مني مقابلتها وسماعها.. وذهبت فعلاً وقابلتها، وكنت في قمة غضبي وقلت لها “حتى إن لم يكن بإمكانه لعب الجمباز، هناك أنحاء ثانية للموضوع.. هناك طريقة أخرى غير المهينة التي تحدثت بها! غير مقبول أسلوبك بالمرة،  فتلك نفسية طفل!!  كان من الممكن التغاضي عن ذلك وتخبريني علي انفراد وليس أمامه أنه لن يستطيع الالتحاق بأكاديمية الجمباز، وكنت تفهمت  ذلك ،فاعتذرت كثيراً وطلبت أن يأتي علي ولكني رفضت، كل المواقف السلبية كان لها أثر إيجابي أكثرعلي، كان يقويني أكثر و كان يجعلني أكثر إصراراً على حقوق علي.. ولكن مع جرح عميق لا ينسى..

التحق علي بعدها بمدرسة السباحة، ولله الحمد كانوا متفهمين.. علي الأقل على مبدأ التحاق علي.. و بالطبع ليس لدى كل المدربين إيمان وعدم تفرقة، فقد سمعت كلمات لاذعة من أحدهم ” مخه لن يفهمني” أو ” مخه قدرته مختلفة” لكن كان هناك عدد من المدربين الذين أستطيع اللجوء إليهم في مثل هذه المواقف الحمد لله ويتم الاعتذار من قبل الآخرين!

و التحقنا أيضاً بكرة القدم وأيضاً كان هدفي مجرد تعلم مهارات وتعلم معنى فريق لأن علي طفل وحيد ومدلل وكان المدرب يحبه جداً، بعد فترة مل علي وكان يريد أن يجرب كرة اليد، فذهبنا لنجرب وكان هذا من سنه كان علي ٦ سنوات وأيضاً كان المدرب في قمة السخافة والتجاهل لعلي وطلب مني أن يذهب علي لذوي الاحتياجات الخاصة! و أنه لن يستطيع تلقي الأوامر مثل الأطفال الآخرين وأنني علي دراية تامة بالموضوع!! طبعا قمت بتوبيخه ولكن كلي ألم من كلماته وطلبت من عدة أطراف أن يتحدثوا مع المدرب واعتذر، ولكني أصررت على أن يذهب علي للتمرين وبعد سنة من الانتظام في التمرين جاء ليشكرني و ليهنيني علي إصراري، وأن علي مستواه مثل زملائه وأنه لم يكن يتخيل ذلك! (الصبر والمثابرة)!! لماذا  ليس لدى الناس صبر ولا رؤية من زوايا أخرى غير التقليدية.. لماذا لا يروا سوى شيء واحد هوأن “الطفل متلازمة داون لا ينفع!” انا أعلم أن علي لن يكمل في كرة اليد.. لكن لماذا لا يتعلم مهارات! فقط مهارات و لماذا ألجأ لأسلوب الوساطة للتقبل! لماذا؟!!

 تم رفض علي من جميع المدارس بالإسكندرية، لماذا؟، لأن لديه متلازمة “داون” نعم لأن ذلك يعني أن شكله مختلف وليس هذا ما يريدونه داخل الفصل!” أنت في مصر، لا يمكن أن يكون مع باقي الأولاد! وأيضاً الأهالي ستشتكي من وجوده وسط أولادهم! و سيتسبب للأولاد بأزمة نفسية لأنه لن يقدر أن يكون مثلهم وشكله مختلف!” للأسف هذاكان رد  بعض المدارس الدولية.. يعني بريطانية أو أمريكية!

وأخيراً قبلت مدرسة علي الحمد لله، ولكن كل شهر بحال وكان محظوظاً بمدرسين يحبونه وقلائل لا يتقبلونه ودائماً لا نعرف ما سوف يصادفنا كل شهر!! انتقل علي إلي مدرسة أخرى هذا العام وسعادته وسعادتنا لا توصف بكم الترحاب والتقبل الذي يعيشه هناك ولا نكف عن أن نحمد لله على كل نعمه.

من المواقف التي كانت مؤلمة حديثاً.. كنا في القاهرة وطلب علي أن يذهب إلى منطقة ألعاب معينة ، وكان في قمة سعادته

وعند الحجزسألتني المسؤولة “هل هو طبيعي؟!”  قلت لها “أنه يعرف  كيف يلعب ويتعامل” و كان عمر علي تقريباً ٧ سنوات، يعني يفهم الكلام جيداً.. وبررت المسؤولة سؤالها بأن الأطفال قد يضايقوه وفريق العمل لن يتدخل لحمايته!

فذهبنا وليس عندي أي مبرر لأقدمه لعلي الذي كان في قمة حماسه للدخول واللعب وأخذته لمكان آخر بحجة أنه أحلى من هذا المكان! ولكني قررت أن أحكي الحادثة على صفحتهم على مواقع التواصل الاجتماعي وبالفعل كلمني المدير واعتذر وقلت له  “في أي قرن نحن ليكون تفكيرنا هكذا! ومن الممكن أن يكون هناك طفل “طبيعي” من منظورهم ولكنه عنيف ولايستطيعون السيطرة عليه! لماذا الحكم بالشكل! لماذا لايكون هناك مبرراً أعطيه لإبني!” ووعد المدير بتغيير السياسة ولكن الجملة الشهيرة (نحن في مصر والموضوع ليس سهلاً طالما الإدارة مصرية)، كلها مواقف لا تنسى وهذا الكلام وهذه النظرات تعمق الجرح، والمؤسف هو عجزي أمامها وأمام ابني، ولكنها أيضاً تعطيني أملاً جميلاً وإحساس قوي بالإصرار والاستمتاع بالرحلة التي لم أخطط يوماً لها ومازلت لا أعرف نهايتها ولكن كلي يقين بأنها أسعد رحلة ممكن أن أعيشها ولا أتصور يوماً أو لحظة أخر غيرها، أحب كل لحظة نقضيها معاً وأعشق كلمة (أحبك طوال اليوم يا أمي) وأشعر وكأني الوحيدة المحظوظة بهذا الحب الذي لا ينتهي ولا تحكمه أي شروط، علي هو كل شيء بالنسبة لي ولأمي ولعائلتي، وأمي بالنسبة له هي أمه الثانية التي لا غنى عنها في حياته أدعو الله أن يقدرنا على كل ما يحتاجه ويلهمني أنا وأمي الخيارات الصحيحة له، وأن لا أقصر في حقه أو أخذله يوما ما

بقلم: تسنيم طارق

You might also like

أسلوب الحياة 0 Comments

تحدي الأعراف والتقاليد، وتحمل الرفض، وقهر العقبات

” كان عليَّ أن أتحدى الأعراف والتقاليد، وأحتملَ الرفض، وأقهرَ العقبات “ في عالمي الذي أعيش فيه، لا يعدُّ المعاق صاحبُ الهمة إنسانًا على قدم المساواة مع بقية أفراد المجتمع!

أسلوب الحياة 0 Comments

لغة الإشارة حق للأشخاص ذوي الإعاقة السمعية

 وجدت كثيراً من الجمعيات العاملة مع الصم تقريباً في كل محافظة من محافظات اليمن، هذه الجمعيات تعنى وبشكل أساسي برعاية وتأهيل الصم والمنتسبين فيها، ويعتمد ذلك علي الكثافة السكانية لكل

أسلوب الحياة 0 Comments

كيف نوظف قدرات ذوى الاحتياجات الخاصة فى المجتمع (2)

 كنا قد تحدثنا فى المرة السابقة من “كيف نوظف قدرات ذوى الإعاقة فى المجتمع” وتحدثت عن دور كل فرد من ذوى الإعاقة، وفى هذه المرة نتحدث عن نقطتين هما دور