معلمي وصديقي/ أحمد البحر

معلمي وصديقي/ أحمد البحر

معلمي وصديقي/ أحمد البحر

أنا أُدرِس الأدب في إحدى الجامعات الكويتية، وأنا أتحدى إعاقتي، وإن كانت غير مرئية: وهي مرض التصلب العصبي المتعدد، وهو مرض عصبي أصاب العديد من الكويتيين منذ حرب الخليج عام 1990.  تتمحور حياتي اليومية حول الحفاظ على طاقتي والتدريس وتحقيق الغايات والأهداف اليومية. وبطبيعة عملي، ومن حسن حظي، صادفت العديد من الشباب المذهل. من ضمن طلابي الرائعين والملهمين، طالب اسمه (أحمد البحر)، في قسم الإعلام. يدرس أحمد الراديو والإذاعة وهو حالياً في عامه الدراسي الأخير. أحمد لديه شغف كبير واهتمام بالأدب والموسيقى، وكان هذا سبب لقاؤنا. وهو منضم إلى أحد صفوف الأدب التي  أدرّسها، وهو أيضاً عازف بيانو رائع. إن إعاقة أحمد أكثر وضوحاً، فهو كفيف، يسمي نفسه على تويتر، “المكفوف الأسطوري”، وهو حقاً أسطورة.

عندما سألت أحمد إذا كنت أستطيع أن أجرى معه مقابلة عبرمجلة آفاق الاحتياجات الخاصة باللغة العربية، كان سعيداً بالإجابة على أسئلتي. ولكن بالنسبة لأحمد، فإنه لا يرى كينونة الموضوع، وقال أنه لا يفهم لماذا يلقبه الكثير بالملهم!. يقول “أنا مجرد نفسي”. يقول لي أنه كان من الصعب في البداية التفاعل مع الطلاب الأصحاء بدنياً، وكان يعتمد على قدرته على فهم الشخصيات من خلال لهجتهم وحدسه الداخلي، تلك القدرة التي ازدادت لديه مع الوقت.

جزء من حبه لمجال الإعلام والاتصال هو رغبته في فهم الناس وكيفية التأثير عليهم، تأثير الكلمات، تأثيرات الموسيقى. كل ما نقوله ونفعله هو جزئياً بسبب شيء شهدناه أو سمعناه أو رأيناه. نستغرق أنا وأحمد في العديد من المحادثات العميقة والفكرية بشكل أسبوعي حيث يحاول أن يعلمني كيفية العزف على البيانو. وكان لمناقشتنا الأخيرة أهمية خاصة، تحدثنا عن الخوف، سألته إذا كان يخشى السقوط، والاصطدام بالأشياء من حوله. أحمد لا يستخدم مساعدات المشي ولكنه يجد طريقه ببساطة داخل الحرم الجامعي. ويقول إن هذا يرجع جزئياً إلى إيمان والدته بالاستقلالية والاعتماد على النفس. عادة ما يتوقف طلاب آخرين في الحرم الجامعي بالقرب منه لإلقاء التحية، ومساعدته في الوصول إلى الصف. اكتسب أحمد العديد من الأصدقاء بهذه الطريقة، ويقول إن الأمر يحتاج إلى بعض الوقت لكي يكون الناس مرتاحين معه. ضغطت وسألته إذا ما كان هناك فرق في التعامل مع الجنسين، وقال  أن الفتيات أكثر استعداداً للمساعدة والتفاعل معه. وبدأنا في التفكّر سوياً في هذا الأمر. ثم تحدثنا عن أهمية التحلي بالشجاعة. كيف لك أن تكون شجاعاً في المجتمعات التي تخشى الاختلاف، والأذى، والرفض، والفشل. مفتاح كل شيء هو أن تتخلص من الخوف.

أحمد لا يخاف ويقول أنه يأخذ كل شيء ببساطة، حتى إذا سقط أو اصطدم بشئ. يقول إنه من المهم أن تنظر إلى نفسك كما لو كنت شخصية في فيلم. اتفق مع أحمد وعلى الرغم من أنني أعلمه، هو أيضاً.. معلمي وصديقي.

 بقلم: د. شهد الشمري