فتاة الكاراتيه

فتاة الكاراتيه

بسملة.. تبلغ من العمر 12 عاماً بالصف السادس الابتدائي من مصر، عندما تراها ترى بنت جميلة ومرحة وذكية وضحوكة ومحبة للحياة، لكن خلف كل ذلك هناك صورة أخرى لطفلة عانت الكثير ممن حولها بداية من المجتمع والجيران حتى المدرسة وكل ذلك لمجرد أنها من قصار القامة.

  

 

لم تختر بسملة قدرها بل قدرها هو الذي اختارها عندما اكتشفت والدتها بعد ولادتها بعدة أشهر أن ابنتها صغيرة الحجم وعلمت أنها من قصار القامة، ورغم حزنها وانهيارها لم تيأس ولم تأل جهداً في السعي لأي علاج أو محاولة لتحسين الوضع، بداية من استخدام حقن لزيادة الطول وحتى عمليات جراحية صعبة ومؤلمة  للتطويل.

والدة بسملة -التي أعتبرها بطلة- تحملت الكثير، ليس فقط عذاب ومشقة العلاج ولكن أيضاً ألم الكلمات التي كانت تخبرها بها ابنتها بعد رجوعها من المدرسة كل يوم بعد التعرض للسخرية مثل (ارجعيني إلى بطنك مرة أخرى. لماذا جئت بي إلى الدنيا؟) ودعائها يومياً بأن تصبح طويلة حتى لا تكون عبئاً على أحد. أنا كأم أدرك أن هذه الكلمات تسقط على قلب الأم كالطعنات، بل وتشعرالأم بالعجز كون طفلتها وصلت لهذه المرحلة ولا تستطيع فعل شيء حيال هذا الأمر.

 

عانت بسملة الكثير في مدرستها من زملائها وأقرانها الذين يسخرون منها ويرفضون اللعب معها وأحياناً يصل الأمر إلى الضرب، ففي حديثي معها أخبرتني أن هناك طالبة معها بالصف شديدة التنمر ودائمة الإيذاء لها  سواء أذى لفظي أم جسدي،  فهي تخبرها دائماً “أنه لا يمكنها اللعب معهم لأنها قصيرة” وفي يوم آخر حملتها من رقبتها من أول الصف إلى آخره وسببت لها آلام في رقبتها.

وكذلك مرة كانت تسير بالشارع وألقى عليها أحد الأطفال حجراً تسبب لها في جرح في رأسها ناهيك عن الكثير من السخرية والشتائم التي تسمعها دائماً أثناء سيرها في الطريق.

و الأسوأ من هذا والأغرب ليس ما تتعرض له فقط من زملائها بل بعض مدرسيها، فعندما كانت بسملة في مدرستها القديمة بالصف الثاني الابتدائي كان هناك مدرس لغة عربية -في رأيي هو عار على التدريس- دائم السخرية منها أثناء الدرس أمام زملائها ويقول لها عبارات مثل “سوف أضعك في جيبي” أو ” سأمسح بك السبورة”  -كناية عن صغر حجمها- وكان يحملها لتكتب على السبورة فيضحك الطلاب. لا أدري كيف  لمدرس فاضل كبير أن يفعل ذلك في طفلة عمرها 7 سنوات!

أمام كل هذه الضغوطات كانت بسملة تعتقد أن الحل في أن تصبح طويلة،  فقد كان حلمها أن تستطيع فتح باب البيت وحدها، وأن ترى من العين السحرية من الطارق مثل أخواتها، وأن تستطيع الوصول لزر الإضاءة،  فطلبت من أهلها إجراء عملية جراحية وتحت ضغطها وافقوا.  أجريت لها أول عملية جراحية وهي تطويل الساقين  وكانت في عمر الخمس سنوات  وظلت في الفراش مدة 5 أشهر،  ثم المرحلة الثانية وهي تطويل الفخذين وهي في عمر 8 سنوات وظلت في المنزل لمدة عام كامل انقطعت فيه عن الدراسة،  ووصلت العمليات الجراحية التي أجريت لبسملة إلى 6 عمليات، زادت بفضلها  6 سنتيمترات  وكان هناك المزيد، ولكن بسملة رفضت إكمال باقي العمليات لأنها أخيراً أدركت شيئاً مهماً صعب على طفلة في هذا العمرإدراكه وهو تقبل الأمر الواقع و قالت ” لقد خلقني ربي هكذا”.

 

بعد حديثي مع والد بسملة (أيمن العطار) رأيت أباً حكيماً محباً لأسرته وداعماً لها، ولديه وعي في التعامل مع ابنته لا نجده عند بعض الآباء الذين لديهم أبناء من ذوي الاحتياجات الخاصة، فهو متواجد لحماية بسملة بالطبع ولكن حسب رؤيته للمشكلة ودائماً يشجعها أن تتصرف بنفسها، ولكن في المشاكل الكبيرة فقط يتدخل مثل مشكلة الطالبة المتنمرة التي أذتها جسدياً هنا تدخل الأب تدخلاً مباشراً .

يقول والدها” أريدها أن تتعامل مع الواقع  بمواجهته وليس بالبعد عنه، لأنني لن أكون متواجد دائماً، فيجب عليها أن تتعامل مع سخافات المجتمع من سخرية أو شفقة أو عطف أومساعدة “

بدأ والد بسملة يرى توجيه بعض حالات من ذوي الاحتياجات الخاصة إلى ممارسة رياضة يحبها الطفل لزيادة ثقتة بنفسه، فاقترحت والدة بسملة عليها فكرة ممارسة رياضة الكاراتيه وأعجبتها .

و بالفعل بدأت التدريب في (نادي الخصوص) تحت إشراف مدربها الكابتن (نافع عزب)، وبعد عام من التدريب المتواصل استطاعت الحصول على المركز الأول في بطولة القليوبية وميدالية وشهادة مع العلم أنها كانت الوحيدة من ذوي الاحتياجات الخاصة، وكانت تتدرب وتتنافس مع أشخاص عاديين. ويسعى حالياً مدربها لإلحاقها ببطولات ذوي الاحتياجات الخاصة.

تواصل بسملة حديثها عن الكاراتيه قائلة “أكون سعيدة أثناء ذهابي للتمرين، وأحب الكاراتيه جداً لأنه أعطاني شعور بالقوة والثقة بنفسي وأود أن أمارس رياضة السباحة إلى جانب الكاراتيه” وفي رسالة منها للناس تقول ” أود أن يحبني الناس، ولا يسخروا مني،  ويعاملونني باحترام، وألا يرفضوا التعامل معي ” وعن أمنياتها تقول ” أتمنى أن أصبح طويلة، ومدربة كاراتيه للأطفال سواء أطفال أسوياء أو من ذوي الاحتياجات الخاصة، وأن أشارك في دورة الألعاب الباراليمبية “.

رغم كل ما مرت به بسملة إلا أنه مازال حلمها أن تصبح طويلة وذلك لصغر سنها بعد ولكن حتما ستدرك لاحقاً عندما تكبر أن طول الإنسان وشموخه ليس بطول جسده وإنما بأفعاله ومايقدمه من خير لمن حوله.

 لوهلة ذكرتني قصة بسملة بقصة الفتى (دانيال) البطل في الفيلم الأمريكي القديم (فتى الكاراتيه) الذي علمه معلمه الياباني (مياغي) الكاراتيه ليدافع عن نفسه من المتنمرين وفي النهاية شارك في البطولة وفاز على من أذوه، فكلاهما-أي بطل الفيلم (دانيال) و(بسملة) عانا من التنمر في المدرسة -مع اختلاف الأسباب- ولكن كلاهما تغلب عليه من خلال الكاراتيه، لذلك بسملة في نظري هي  (فتاة الكاراتيه) القادمة.

بقلم: إيمان أبو الغار

 

You might also like

حكايات اّفاق 0 Comments

 طارق القلاف… مبارز عالمي من ذهب

 من أشهر لاعبي المبارزة في العالم  في لعبة المبارزة على الكرسي المتحرك، حاصل على كأسين: الأول أفضل لاعب في العالم والثاني المصنف الأول على العالم في لعبة المبارزة على الكرسي المتحرك،

حكايات اّفاق 0 Comments

نجود) ملاك الرحمة)

 نجود أبو جراس.. إنسانة واثقة بنفسها.. ترى العالم جميلاً بعيونها.. ترسم الابتسامة على وجوه من حولها.. تؤمن بأن الله قد اختارها لأنه يحبها.. تحب مساعدة الآخرين وتعطيهم الأمل والتفاؤل في

حكايات اّفاق 0 Comments

(حكايات آفاق.. (منى الشبراوي

هى فتاة من ذوي الاختلاف أو كما يقولون من ذوي الإعاقة ورثت إعاقتها من والدها الذى استطاع أن يزرع بداخلها الاختلاف دون الشعور بالنقص رغم أنه مجرد رجل بسيط تعلم