تحدي الأعراف والتقاليد، وتحمل الرفض، وقهر العقبات

تحدي الأعراف والتقاليد، وتحمل الرفض، وقهر العقبات

” كان عليَّ أن أتحدى الأعراف والتقاليد، وأحتملَ الرفض، وأقهرَ العقبات “

في عالمي الذي أعيش فيه، لا يعدُّ المعاق صاحبُ الهمة إنسانًا على قدم المساواة مع بقية أفراد المجتمع!

 

 

(تعليق الصورة: تقول ريا الجادر: ” لم أستخدم في طفولتي كرسيًّا متحركًا، فقد كنت -دومًا- على دراجتي ذات الثلاثة إطارات “. الصورة من ريا الجادر)

أنا شابة عراقية بريطانية، مرشحة لنيل درجة الدكتوراه، ومؤسِّسة مجلة تُعنى بحياة الإعاقة وأسلوب التأقلم معها، وتستهدف العرب ذوي الإعاقة خاصة. ولم يكن تحقيقُ أيٍّ من هذا ممكنًا أو حتى واقعيًّا في مرحلة نموي؛ وهذا كله لأنني طفلة معاقة.

أن تولد معاقًا، فهذا يعني أن يحكم المجتمع على تجربتك في هذه الحياة بأنها تجربة “فاشلة”. أما إن كنتِ امرأة معاقة، فلا يعني هذا سوى أنك عبء ثقيل على جميع من حولك. والملوم هنا هي الأم؛ فهي -في نظرهم- قد فشلت في إتمام واجبها المتمثل في “أن تحمل طفلًا سليمًا في بطنها”.

لقد ولدت في مدينة الموصل، وعشت طفولة سعيدة في الأعوام العشرة الأولى من حياتي، كنت أعرف أنني مختلفة عن الأطفال الآخرين لكن ذلك لم يهمني. وعلى الرغم من أن الإعاقة قد تسببت لي في كثير من المصاعب والمتاعب، وفرضت عليَّ مواجهة الرفض من الناس كثيرًا؛ فإن هذا الأمر لم أكن أعيه جيدًا. إلى أن انتقلت أنا وعائلتي إلى المملكة المتحدة.

وربما كانت سنوات طفولتي أكثر صعوبة بالنسبة لوالديَّ مقارنة بما كانت عليه بالنسبة لي أنا، وبالرغم من أنهما كانا يعرفان طبيعة حالتي منذ كنت في الخامسة من عمري -فقد كان من الواضح أنني لن أمشي-؛ فكان هناك شعور عام بين عائلتي وأصدقائي بأنني سوف أشفى وأتمكن من المشي في نهاية المطاف. ولم أكن متأكدة مما إذا كان هذا في صالحهما أم في صالحي أنا!

أعتقد أن والدتي هي أكثر من تأثر بطبيعة حالتي في البداية وليس أنا؛ فلقد كانت تهرع بي من طبيب إلى آخر، سواء أكان في المنزل أو خارجه، حتى إنها وجدت صعوبة في العثور على مدرسة تقبلني، وهذا الأمر لم تعترف لي به إلا مؤخرًا. كانت تشعر بالذنب في كل مرة يتمتم فيها الناس بتلميحات مشفقة تجاهي، ولكنها كانت طوال الوقت تحميني منهم؛ فلم يكن بإمكانها الهرب من هذه المواقف، وما كان عليها سوى المواجهة والدفاع! ولقد ألحقتني بالمدرسة التي تعمل فيها هي معلمة، ومن ثَمَّ لم نسلم من تعليقاتهم. ولقد دللني والداي بشكل كبير دفعني إلى الاقتناع بأنني سأحصل على أي شيء أريده ما دمتُ عازمة على ذلك.

في ذلك الوقت، لم أستخدم كرسيًّا متحركًا أبدًا، فقد كنت دومًا على دراجتي ذات الثلاثة إطارات، أذهب بها إلى حيث أريد، وكنت أتعثر وأسقط عدة مرات خلال اليوم، بيد أنني كنت أعاود ركوبها باستمرار رغم إدراكي أن ذلك سيلحق بي الضرر، ويبدو أن رأسي تحتفظ بذكرى تلك العثرات الصغيرة والأحداث الأليمة حتى يومنا هذا!

كانت دراجتي هي حياتي، وتخيلت أن الجميع كانوا يصدقون حكاياتي عنها، وكيف أنها سحرية ويمكنها أن تطير، وأن هذا لا يحدث إلا حينما أقودها أنا. ولكن حقيقة الأمر ظهرت عندما بدأ أطفال مدرستي ينزلونني عنها عَنوةً ليركبوها. سقطت أرضًا وعجزت عن النهوض، وهكذا تبين لكل الأطفال أنني لا أستطيع المشي. ولأن أمي لم تكن لتسمح لي بالهروب من مشاكلي، فقد وضعتني على الدراجة وجعلتني أواجه الأطفال بدموعي وخجلي.

تقول ريا .. “لم أستخدم في طفولتي كرسي متحرك، فقد كنت دوماً على دراجتي ذات الثلاثة إطارات”.

كان أشقائي إلى جواري دومًا؛ لمساعدتي في تجربة الأشياء التي تمنعني عنها إعاقتي الجسدية. كانوا حريصين على رعايتي، وعلى ألا أشعر بأنني أقل منهم أو عاجزة أمامهم.

وبالرغم من كل هذا، فهأنا ما زلتُ أشعر بغصة حتى الآن وبقلق كبير من كلمة “معاق” العربية؛ ولهذا فيسعدني دائمًا استخدام المصطلح الإنجليزي الدقيق لهذه الكلمة، وبدأت أفتش عن السبب، وقمت بالعمل على هذا المصطلح. وعند إطلاق النسخة العربية من Disability Horizons، التقيت بأناس كثر وأجريت مقابلات عديدة وتفاعلت مع المعنيين والخبراء. وفي حديثي معهم تذكرت طفولتي وكيف كان الهروب من إعاقتي هو السبيل الوحيد للعيش بها والتأقلم معها. فكونك معاقًا يجعلك شخصًا بلا قيمة في نظر الناس!

في معظم البلدان، لا يعد الشخص المعاق إنسانًا على قدم المساواة مع بقية أفراد المجتمع، فيتم تشجيعهم على تحدي إعاقتهم فقط بدلًا من احتضانهم والتعايش معهم وتقبلهم كما هم دون أي ضغوط؛ فليست الإعاقة هي العدو الذي يجب أن نقهره، بل إنَّ العدو الحقيقي هو موقف المجتمع والبنية التحتية التي نعيش فيها؛ حيث يجب علينا مقاومتهما، ففيهما يكمن العجز كله.

 

نعم! كان عليَّ طوال حياتي أن أتحدى الأعراف والتقاليد، وأحتملَ الرفض، وأقهرَ العقبات!

بقلم: ريا الجادر

You might also like

أسلوب الحياة 0 Comments

اسمح لي أن أسمعك

كان يومًا دراسيًا طويلاً عندما اتجهتُ أنا وزميلتي إلى كُشك التصوير لإحضار بعض المذكّرات الجامعية وتصويرها، هناك وجدت زميلتي تفقد أعصابها أمام الرجل الذي يعمل بالكُشك لأنه لم يكن سريع

وظائف و أعمال 0 Comments

تدريب وتوظيف الأشخاص ذوي الإعاقة في ليبيا

 إن دمج ذوي الإعاقات في المجتمع يهدف إلى إظهار طاقات هذه الفئة، وجعلها فئة منتجة في المجتمع تسهم في عملية التنمية في الدولة. وعلى الرغم من أن تجربة الدمج ما

أسلوب الحياة 0 Comments

جمعية مرضى الأتاكسيا بليبيا

اسمي غادة من ليبيا تشخصت بمرض اسمه (أتاكسيا) في سنة 2006 ربما يكون هذا المرض نادر جداً وخصوصاً في العالم  العربي، عندما علمت أن هذا المرض ليس له علاج نهائياً