الشهيد الحي

الشهيد الحي

الشهيد الحي

 تعددت قصص النجاح حول العالم لكن لطالما وجدنا ذوي الاحتياجات  الخاصة هم الأوائل في النجاح، وتكون إعاقتهم حافزهم إِلى النجاح، ومن بين القصص العديدة، قصة (مصطفى ماهر) من العراق محافظة بغداد الذي وصل إِلى الدراسات العُليا في العلوم السياسية على الرغم من إعاقته، وكادَ أن يكمل دراسته لولا الظروف التي أجبرته على ترك العراق، تحدث مصطفى عن قصة حياته لمجلة آفاق الاحتياجات الخاصة قائلًا: “في نهاية عام 2004 تغيرت حياتي رأساً على عقب عندما حدث الذي لم يكن في الحسبان، فقدت أطرافي السفلى  إثر انفجار إرهابي، فتحولتُ من شخص سليم جسدياً إلى شخص مبتور الأقدام، وهذا الشيء ليس سهلاً على أي شخص مهما كان قوي الإرادة والعزيمة، لكن مع هذا كان علي الاختيار، إما قبول الأمر الواقع والتعايش معه والاستمرار في الحياة أومحاولة تغيير هذا الواقع ورفضه  وفقدان الأمل والدخول في اليأس الذي لا فائدة منه، وكان علي أن أتحلى بالثقة بالنفس ومواجهة الواقع بما فيه من صعوبات؛ لذلك لم أستسلم إلى واقعي الجديد الصعب وقررت أول خطوة لمواجهة هذا الواقع وهي إكمال دراستي.

في هذا الوقت كنت في المرحلة المتوسطة، وأخذت أجازة شهرية لغرض العلاج بعدها رجعت لدراستي بعد تماثلي للشفاء، وعند عودتي إِلى مدرستي كان شعوري كأن لم يحدث شيء، وأكملت الدراسة المتوسطة على عربة متحركة، وقد حاولت كثيراً أن أحصل على أطراف صناعية لكن كل محاولاتي لم تجد نفعاً مع وزارة الصحة العراقية، ولم يمنحوني تلك الأطراف؛ بحجة عدم قدرة الوزارة على توفير الأطراف لضحايا الإرهاب، علماً بأن العراق في ذلك الوقت كان يعيش عدم استقرار في شتى المجالات الخدمية وحتى الأمنية. ومن هنا كان يتوجب علي أن أعتمد على نفسي بالبحث عن أطراف صناعية، وقد تمكنت من التواصل ماًمنظمة سويدية لها مقر في شمال العراق، التي بدورها ساعدتني بالحصول على أطراف صناعية بدائية، مهما يكن كنت مجبراً على قبول أطراف صناعية من هذه المنظمة الأجنبية

كوني لا أملك خياراً ثانياً، استمريت بالتدريب على هذه الأطراف أكثر من ستة أشهر، وسط مراحل التدريب كنت أتابع دراستي والأطراف كان من مساوئها أنها كانت ثقيلة وصعبة جداً في البداية عند لبسها ونزعها، لكنني حاولت أن استخدمها بنفسي دون مساعدة أحد لي، عند ما أريد أن استخدمها بنفسي، وأخرج بها فقط  للدراسة أو عند مراجعة الدوائر الحكومية.

مرت الأيام مع السنين وتخرجت من المتوسطة ودخلت المرحلة الإعدادية، عندها قمت باستخدام دراجة نارية مخصصة للمعاقين سلبياتها أكثر من إيجابياتها، فهي كانت غير عملية وتتعطل كثيراً، إلا أنها رغم ذلك أصبحت مثل أقدامي أستخدمها أينما ذهبت ويضيف مصطفى قائلاً: “لقد كان سلاحي في مواجهة صعوبات الحياة، التسلح بالثقة بالنفس. وكانت أول خطوة لي أني أكملت دراستي بتفوق، وحصلت على تقدير جيد بالامتحان الوزاري في سنة 2010، وقد أهلني معدلي إلى أن أقبل في العلوم السياسية “في جامعة بغداد.

،وهذا ما كنت أطمح إليه فحددت الأولويات وأعطيتها الأهمية وهي الدراسة للحصول على مركز اجتماعي عالي في المجتمع حددت أهدافي جميعها وحصرتها بالدراسة والانشغال بها،  وكنت مؤمنًا بما أسعى إليه إيماناً تاماً وقد حققت النجاح والتمييز وسط أقراني الطلاب.

قبل مرحلة التخرج زاد طموحي أكثر، سعيت عندها إلى إكمال دراستي العليا لكن تعليمات وأنظمة وزارة التعليم كان لها رأي” آخر وهو رفض حصولي على مقعد مخصص لضحايا الإرهاب، كون وزارة التعليم قد منحت ذوي ضحايا الإرهاب أولوية في القبول في الجامعات، وأنا اعتبر في عداد الموتى ولا يحق لي التقديم على الدراسات العليا، وفي نفس تلك الفترة كنت أشارك في التظاهرات التي خرجت قبل حوالي سنتين في ساحة التحرير للمطالبة بتحسين الواقع في البلاد؛ وعندها كشفت هذا الأمر للإعلام العراقي الذي جعل من خطأ وزارة التعليم قضية رأي عام تسمى (الشهيد الحي) بعدها تم قبولي في الدراسات العليا ومنعي من الخروج في التظاهرات من قبل جهات سياسية وتعرضت لمضايقات أنا وأسرتي من تلك الجهات؛ مما دعاني في السنة الثانية من دراستي في الماجستير لمغادرة العراق إِلى ألمانيا قبل أربعة أشهر، وأسعى حالياً لدراسة اللغة وتعلمها، وبعدها أتجه للعمل لتحقيق ذاتي.

وقال مصطفى في نهاية حديثه “التحدي كان عندي ضد الإعاقة وصعوبة الحركة والتنقل وسلبية بعض الناس ونجحت في التغلب على السلبية، بالإرادة والإصرار نستطيع  أن نحقق المعجزات، الحياة فرصة تأتي مرة واحدة لن نضيعها في اليأس وفقدان الأمل.

أجرى الحوار: نائل قاسم