Archive October 2018

بيانو رنا وأطفال متلازمة داون

بيانو رنا وأطفال متلازمة داون

 .عندما يتحول البيانو من لعبة إلى مدرسة تعليمية لأطفال متلازمة داون

رحلتها بدأت مع آلة البيانو، منذ أن كانت في الرابعة من عمرها، مارست عزفها كطفلة مهتمة بدميتها، حتى بدأ البيانو يرافقها في كل رحلة من حياتها (رنا الجاسم) شابة من الجمهورية العراقية، بدأت بتطوير نفسها على آلة البيانو بتمارين يومية، والعزف بشكلٍ دائم ،حتى أصبحت أستاذة في تعليم آلة البيانو.

وبعد تخرجها بدأت بتطوير مهاراتها وقدراتها في معهد المنصورة مع أطفال متلازمة داون، مما دفعها إلى التعمق بالبحث عن هؤلاء الأشخاص، وانطلاق فكرة مشروع مدرسة تعليمية تهتم من خلاله بتعليم هؤلاء الأشخاص على عزف آلة البيانو .

وحول اختيارها لهؤلاء الأشخاص عن غيرهم من ذوي الاحتياجات الخاصة قالت” حبي لهؤلاء الأشخاص، وإيماني بقدرتي على دمجهم مع المجتمع ،برغم من نظرة المجتمع القاسية والشفقة عليهم ،ولد بداخلي رغبة في التحدي وإثبات قدراتهم، وإمكانياتهم على الإبداع، والنجاح، والعطاء لديهم .”

رنا واجهت منذ البداية صعوبات عديدة منها: عدم تقبل المجتمع لها كأنثى عازفة على آلة موسيقية ،إضافة إلى صعوبة التنقل، وحمل الآلة من مكانٍ إلى مكان آخر.

وعن الفرص أو الدعم الذي قدم لها قالت” لم يعرض علي أي فرصة سواء مادية أو معنوية ولا يوجد لي دعم لمشروعي أو تمويل من أي جهة معنية”

رنا لديها العديد من النشاطات منها: المشاركة بالمهرجانات التي تقام في المنطقة، والتي تهتم بمن لديهم متلازمة داون.

وحول رسالتها قالت: “أتمنى أن يكون للأطفال ذوي متلازمة داون حقوق في المجتمع، ودمجهم وتقبلهم، والتعامل معهم مثلهم كمثل الآخرين.”

وعن إنتساباها لنوادي أو جمعيات خيرية قالت:” لايوجد أي جهة أو عمل آخر، أنا فقط أنتمي إلى مشروعي وقدراتي الذاتية، ولايوجد لي داعم ، فقط أعتمد على خبرتي وأحرص دائماً على تطويرها لتقديم المزيد والأفضل لطلابي.

وحلمي  أن يكون كل أطفال متلازمة داون أشخاص مبدعين، قادرين على قيادة أجيال من مجموعتهم، ومساعدتهم، ودمجهم مع المجتمع.

الموسيقا هي حب الحياة، هي لغة الناس وغذاء الروح، هي الطاقة التي تدفعنا إلى الأمام، جميعنا من شعراء وفنانين نحتاج الموسيقا لأنها صلة الوصل في الحياة، فعلموا أطفالكم  حب الموسيقا.”

أجرت المقابلة: رؤى حمزة

داليا عاطف

داليا عاطف

..ظروف الحياة وصعوبتها لم تعيق يوماً إرادتها، فكان طموحها ورغبتها بالوصول رسالة لكل طفل من ذويها

داليا عاطف، من مواليد شهر فبرايرعام 1979 ، من جمهورية مصر العربية، حاصلة على ليسانس آداب  قسم اللغة العربية، فائزة بمنحة البكالوريا الدولية من قبل دولة النرويج، حاصلة على دبلوم تربوي، وعلى العديد من الكورسات، والتدريبات في مجال الإعاقة والدمج والتمكين المجتمعي ،وعلى العديد أيضاُ من الشهادات التقديرية في مجال المرأة والطفل من ذوي الإعاقة، وكيفية دمجهم في المجتمع وفي مجال التمكين المجتمعي، والمشاركة السياسية وكيفية مناهضة العنف والتمييز ضد المرأة وخاصة النساء ذوات الإعاقة، وشهادات أخرى في كيفية تغيير النمطية الإعلامية، والدرامية وغيرها من الشهادات العديدة التي لها صدى كبير في عرض الصور والنماذج الإيجابية للأشخاص ذوى الإعاقة في مصر، وخاصة النساء منهم في كافة وسائل الإعلام المصرية.

في بداية حياتها حاولت العمل بشهادتها الدراسية كمدرسة، ولكنها كانت في أغلب الأوقات لا تجد الفرصة، بسبب إعاقتها الحركية وذلك على مدى سنوات عديدة حتى عملت كمدرسة في مدرسة للغات بالقاهرة لإيمانهم بقدرتها العلمية، وقدرتها أيضاُ على إيصال المعلومات والتعامل مع الأطفال وخاصة الأطفال ذوي الإعاقة، ونجحت في إثبات ذلك، ولكن كان يراودها إحساس طول الوقت أن مكانها في العمل الاجتماعي التنموي، وأنها تحتاج للتوسع في مجهودات واستفادة الغير من خبرتها، ودائماُ كان يراودها ضميرها بأن لا تترك ذوي الإعاقة في مصر، وأن لكل منا رسالة وهدف لابد أن يسعى له.

عملت بعدها بالعديد من الشركات فقط لتثبت أنها عندما تلتحق بعمل تنجح كمثيلاتها من النساء، حتى آن الأوان ، وبعد ثورة ٢٥ يناير حدث انفتاح في المجتمع المصري وحراك مجتمعي في مجال حقوق الإنسان، وتم تأسيس مجلس قومي للإعاقة من قبل الحكومة المصرية، تابع لرئاسة مجلس الوزراء، وعينت كمسئول إدارة المرأة والطفل في المجلس القومي لشؤون الإعاقة، بعدها وضعت استراتيجية لتحقيق كل طموحاتها وأحلامها لتطبيقها ضمن الواقع .

إعاقتها كانت نتيجة تطعيم فاسد بعد مرور عامين من ولادتها، فكانت تمشي بصورة طبيعية إلا أن والدتها فوجئت بأنها لا تمشي على قدميها الاثنتان بعد تعرضها لسخونة شديدة، نتيجة تعرضها لشلل أطفال وبكونها الابنة الكبرى لوالديها حظيت على أكبر اهتمام، ونتيجة وعي الأم ومسؤولية الأب شفيت تماماً الساق اليسرى من الإعاقة بعد علاجها على يد أكبر الأطباء في هذا الوقت، وخبراء أجانب في مجال الطب الطبيعي، مما كلف الأسرة أعباءً مادية كبيرة، لكن علاج الإعاقة في الساق اليمنى لم يفلح بالنجاح واستمرت داليا بإعاقتها وتحدياتها منذ طفولتها، وشعورها أن عليها دور مجتمعي ومسؤولية تجاه كل أسرة لديها طفل من ذوى الإعاقة، ومحاولة نقل تجربتها للآخرين لمساعدتهم على تخطي الصعوبات.

تميزت داليا بحبها وشغفها بمساعدة الآخرين، بداية من والدتها في المنزل، فمنذ إصابتها بالإعاقة ربتها والدتها على تحمل المسؤولية، وبأن الإعاقة في المجتمع المعيق، وطالما نمتلك القدرات والعقل فليس هنالك إعاقة، فكانت والدتها تعتمد عليها اعتماداً كلياً في المنزل كونها الأخت الكبرى، وحتى تفوقها دراسياً، فبرغم ظروف إعاقتها وصعوبة ذهابها وإيابها من المدرسة، إلا أنها كانت دائماً تثبت كفاءتها في كل عمل تقوم به، مما ساعدها على استكمال مسيرتها في عملها الاجتماعي، وأكد على أهمية دورها في المجتمع، وزادها ذلك من تحمل مسؤولية في نقل تجربتها ،وبأن تكون بمثابة دليل لمن لا يعرف من أين يبدأ ،وأين ينتهي ولديه نفس الظروف .

واجهت داليا صعوبات عديدة في حياتها، أكبرها هي عدم توافر الثقافة المجتمعية بتقبل ذوي الإعاقة في المجتمع، ونظرات الشفقة التي كان يناهضها والديها وإخوتها ويرسخها من جانب آخر مجتمع كبير، لكنها انتصرت وقررت أن لا تلتفت لنظرات الآخرين، فكانت لا تهتم بما تقابله من سلبيات فوضعت أهدافها لتحقيقها، كما واجهت عدم توافر الإتاحة مثل الأرصفة غير الممهدة، السلالم ، الأدراج العالية، التي لا تناسب حياة ذوي الإعاقة، وعدم توافر المنحدرات، والمصاعد الكهربائية في المجتمع المصري والتي لم تتوفر ولم تنتشر إلا بعد الحراك المجتمعي في السنوات الأخيرة .

من أهم الفرص التي عرضت عليها:  منحة تعليمية بكالوريا دولية من دولة النرويج، بعد اجتيازها مسابقة في اللغة الإنجليزية من خلال تقديم بحث مكتوب باللغة الإنجليزية عن ما هي أمنياتها المستقبلية، وإذا خيرت أن تكون حيوان أو طائر فماذا ستختار، كتبت داليا موضوع كبير عن أمنياتها وأحلامها، قائلة “أنها تتمنى أن تكون حصان حتى تجتاز الحواجز وتتخطى العقبات”،مما أبهر لجنة التحكيم وفازت بالمنحة التعليمية وزيادة عليها الإقامة وتذاكر الطيران، إلا أن خوف والدها عليها ورفضه أن تبعد عنه ابنته لمدة ثلاثة أعوام منعها من الاستمرار، حتى رزقها الله بالعديد من الفرص داخل بلدها مصر، وأتيحت لها العديد من الكورسات، والتدريبات الدولية داخل مصر، ومنها فرصة وجودها كمسؤولة إدارة بالمجلس القومي للإعاقة، والتي تنفذ من خلاله استراتيجيتها، وخططها في الحماية، والتمكين، والدمج للنساء والأطفال ذوي الإعاقة .

كان لها نشاطات عديدة، منها الكتابة الصحفية عن حقوق ذوي الإعاقة في مصر، وكيفية تغيير النظرة النمطية عنهم من خلال علاقتها الجيدة بالإعلاميين والصحفيين المصريين، مما كان له أثر جيد جداً على تغيير إيجابي خلال سنوات قليلة .

وعن الداعم في حياتها تقول ” أن الداعم الأول في حياتي هو الله الواحد الأحد فأنني دائماً على علاقة قوية بربي، وأؤمن بأنه يقف بجانبي في كل المواقف، ثم والدي الذي كان يهب كل دقيقة من وقته للعمل، والاجتهاد من أجل تربية أبناءه وبالأخص أنا ، مما جعلني أن أكون على قدر من المسؤولية، ولم يعاملني لدقيقة واحدة على أني من ذوي الإعاقة بل على العكس كان يساعدني، ويصدقني، ويؤمن بقدراتي، ثم والدتي التي لم تبخل علي بصحة ولا بمجهود، ولا بعطاء في فترة علاجي، ولم تترك باباً أو طريقاً إلا ووصلت إليه لعلاجي، وحتى بعد أن أصبحت أماً لابنتان، فما زالت تحرص على رعايتي والوقوف بجانبي دائماً، كما كان لإخوتي دور هام في وقوفهم بجانبي، و لم يتركوني وكانوا يشجعونني للوصول إلى النجاح، ولا أنسى الداعم الأهم وهو زوجي وابنتاي، زوجي الذي ساعدني، ودعمني، والمؤمن بما أقوم به فله كل الحب والتقدير والاحترام، فكان خير صديق، وخير زوج خلال قصة الكفاح، وابنتاي اللواتي يحرصن على التفوق والاجتهاد من سعادة أمهم. فكنت خير ابنة، وخير أخت، وخير زوجة ً،وخير أما ” .

ماهي  رسالتك؟

رسالتي لكل ذوي الإعاقة على مستوى العالم هي أن لا تتوقفوا، لا يكن لكم قيود ولا حواجز تخطوا كافة الصعوبات، وشاركوا في كل أمر متعلق بحياتكم، فمهام المسؤولين دمجهم اجتماعياً حتى لو لم يساعدكم المجتمع، أو حتى لو لم تساعدكم أسرتكم أو ظروفكم ، إيمانكم بقدراتكم وحبكم للعلم والشغف به سيجعلكم تتخطوا كل السلبيات، خططوا لأهدافكم وأجمعوا الأسباب التي تساعدكم على ذلك، فكل شخص منكم هو مسؤول عن التغيير، فكل تغيير إيجابي في حياتكم هو نتيجة شخص أخذ القرار، وأوجد فرصة لتحقيق حلمه وقراره، والأشخاص ذوي الإعاقة أقوى وأقدر وأعظم من أي شخص، إننا قادرين على تحقيق طموحاتنا، لا يجب أن ننتظر وظيفة أو فرصة، عليكم خلقها بأنفسكم حتى لو من خلال مشروع بسيط، هذه ليست أحلام بل كلام واقعي وبإحصائيات ،من سينتظر أن يحصل على الفرصة من الغير سينتظر كثيراً، لابد أن تثبتوا وجودكم وتطلعوا على التشريعات، والقوانين المتعلقة بكم وتطبيقها بتحضر ورقي، لتثبتوا للعالم أننا قادرين على التغيير، ففي مصر صنع الأشخاص ذوي الإعاقة دستورهم وقوانينهم وكانت لي الفرصة العظيمة في المشاركة في ذلك.

وحول انتسابها إلى أي جمعية أو نادي  قالت: “لم ألتحق بأي من منظمات المجتمع المدني، بحكم عملي، ووظيفتي بالمجلس القومي للإعاقة، والتي عملت من خلاله ووضعت خطة عمل على التمكين في كافة المستويات الاجتماعية، والصحية، والتعليمية، والحماية من العنف بكافة أنواعها، وتغيير الثقافة، وزيادة الوعي المجتمعي من خلال الإعلام، والدراما ، ومن خلال الوزارات والمؤسسات المعنية في مصر.

وعن دور الإعلام في الإعاقة فكان رأي داليا: “إنني أومن تماماً أن الإعلام والدراما والفن لابد أن يكونوا مناصرين، وداعمين لقضايا الإعاقة، فبهم نستطيع تغيير الصورة النمطية المتكونة منذ العشرات من السنوات، وبهم نستطيع خلق مجتمع قادر على التعامل الصحيح مع الأشخاص ذوي الإعاقة، وبهم نستطيع تغيير نظرة الحكومات والقادة نفسهم للأشخاص ذوي الإعاقة، إلا أن ذلك يستلزم أعمالاً مكتوبة بشكل حرفي ومهني، وبمشاركة ذوي الإعاقة نفسهم، لكن الإعلام الحالي على مستوى الوطن العربي، لا يمثل الإعاقة لأنها عبارة عن أعمال ليست ذات قيمة، يكتفوا بظهور شخص كمادة للشفقة و التعاطف، أو على العكس بأنه يكون محور العمل وكأنه إنسان من عالم آخر، لكن لابد من القيام بأعمال تدمج الشخص ذو الإعاقة ضمن العمل الفني كحالة طبيعية في المجتمع، فهو من الممكن أن تجده أب أو أم أو أخ أو صديق أو طفل داخل الأسرة ،وهذا يستلزم إشراف أحد الأشخاصمن ذوى “الإعاقة على العمل أو المشاركة فيه بنفسه، لأن هذه الصورة الأوقع .

و عن طموحها تقول: “طموحي أن تطبق كل الشهادات التي حصلت عليها على المجتمع بشكل عملي، وحالياً أركز على زيادة التدريب، والتأهيل، وتعلم الكثير من أجل زيادة مهارات أكثر، فبالنسبة لي لا عمر محدد للتعلم و الإطلاع ،ولا أريد أن أرى أي شخص من ذوي الإعاقة بدون عمل، أو دخل ثابت، حلمي أن أطبق قانون محو الأمية التعليمية، والمعلوماتية الإلكترونية، لكل ذوي الإعاقة في مصر .

وأخيراً أتمنى لكل شخص من ذوي الإعاقة في مصروالعالم العربي، أن يعيش ضمن مجتمع متاح به كافة وسائل الإتاحة المكانية، والتكنولوجية، وعدم الاحتياج للغير، كما أتمنى أيضاً التمتع بخدمات طبية متخصصة، وأطباء ،وتمريض واعيين ومدركيين لحالات الإعاقات المختلفة، ولكل من المعلمين والمدرسين المؤمنين بدورهم الإنساني في الدمج.

وإلى كل من المسؤوليين الحكوميين وغير الحكوميين، بداية من رئيس الدولة، والوزير حتى العامل ،قادرين على التعامل مع هذا الملف الكبير والمليء بالحيثيات والمتدربين على ذلك ،ونتمنى توعية كل فرد في كل أسرة، من خلال المناهج الدراسية بأن كلنا إنسان ،ولكن تختلف قدراتنا وأشكالنا وظروفنا وعلينا تقبل الاختلاف.

.أحلم  بعمل دور إقامة للنساء والأطفال والمسنين من ذوي الإعاقة ،الذين لا مأوى لهم فاقدي عائلتهم 

أجرت المقابلة: رؤى حمزة

أحلام مهند

أحلام مهند

في داخل كل إنسان طاقة هائلة يمكن للفرد أن يوظفها في أي مجال يرى نفسه يبدع فيه، وعندما تبدع، يمكنك أن تفتخر بإبداعك وكذلك الحال مع الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين حرموا من وسائل الإبداع  يبدعون رغم كل ما يعيقهم ليسيروا في الحياة بخطى ثابتة متحدين كل المشاكل التي تعترضهم. هكذا يمكننا أن نصف حياة (مهند هادي) من العراق، الحاصل على شهادة الماجستير في اللغة الإنكليزية من جامعة بغداد، وأحد أساتذة قسم الترجمة في جامعة واسط، وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين شقوا طريقهم نحو الإبداع، متحدياً كل العقبات، متجهاً نحو طريق النجاح. يفتتح مهند حديثه إلى مجلة آفاق الاحتياجات الخاصة قائلاً: “في تمام الثانية والنصف من ظهيرة يوم الجمعة 30/مايو/1986م وفي قرية مرزاباد الحدودية، إحدى قرى محافظة واسط و تبعد 70 كم  من شرق مركزها، رزق السيد هادي عبد الأمير الطالقاني بأول أبنائه، إلى هنا يبدوا الأمر طبيعياً لكن تعالوا معي نطالع جنبات قصة مكافح لم يعرف اليأس يوماً إلى قلبه طريقاً.

 

أخذ مهند يكبر يوماً بعد يوم وإهتمام عائلته وتعلقهم به وإستئناسهم به كطفلهم الوحيد يأخذ بالازدياد، يواصل مهند حديثه قائلاً: “في خضم هذه الأجواء العائلية المفعمة بعبق الطفولة لم يكن أحد يتخيل أن زيارة أحد الأقارب ستكشف عن سر شَكَّلَ فيما بعد صدمة لم يستفيقوا منها. عندما كان عمر مهند 3 سنوات وهو يسرح ويمرح بين والديه وأعمامه وجدته لأبيه وإذا بالضيف ينتبه إلى ما غفل عنه الجميع ولكنه صمت وقام بإخراج عملة حديدية من جيبه ورماها على أرضية الغرفة ملاعباً مهند ولكن ما أصاب الجميع بالذهول أن مهنداً وبدلاً من التقاط الدينار الحديدي راح يحرك يديه هنا وهناك في محيط المنطقة (مصدر الصوت) حتى عثر عليه فاكتشفوا أن هناك مشكلة في عينيه جعلته يستخدم يديه بدلاً عنهما. يضيف مهند: “من هنا بدأت رحلة معاناة الوالد وهو يجوب المستشفيات وعيادات أطباء العيون باحثاً عن علاج لابنه ولكن الجميع كانوا يخبرونه باستحالة علاجي”.

مرت الأيام وأصبح عمر مهند 6 سنوات – سن الالتحاق بمقاعد الدراسة – ولكن والده رفض تسجيله في المدرسة خوفاً مما سيلاقيه من صعوبات. في السنة التالية أفلح مدير المدرسة الذي زار العائلة رفقة بعض المعلمين في إقناع والد مهند بالسماح بالتحاق مهند بمقاعد الدراسة. تشير المعلومات التي حصلنا عليها إلى أن مهنداً أظهر منذ الأيام الاولى أنه يتمتع بقابليات ومهارات تفوَّق بها على كثير من أقرانه المبصرين.

اجتاز المرحلة الأبتدائية بتفوّق باهر جعل الأنظار تتوجه نحوه بالإعجاب تارةً وبالاستغراب تارةً أخرى، إذ كان الكثيرون يتساءلون كيف لضعيف بصر أن يتفوق على أقران مبصرين؟!. بجانب تفوقه في دراسته كان مهند يتمتع بروح فكاهية أذ أنه كان يمزح مع من حوله عند حلول الغروب قائلاً لهم “عــــــزلت” إذ كان ضوء الشمس المصدر الوحيد الذي يعينه على القراءة والكتابة والحركة. التحق مهند بعدها بالثانوية التي كانت تبعد مسافة 10كم عن محل سكنه ما مثّل عناءاً إضافياً، في تلك المرحلة برزت لمهند مهارات أخرى بجانب تفوقه دراسياً فكان يجيد تلاوة وحفظ القرآن الكريم، وأولع بكتابة الشعر بنوعيه الشعبي والفصيح، وأولع بشدة باللغة الإنكليزية حتى أصبح تحدثها سمةً مميزةً له. تخرج من الصف السادس العلمي عام 2005م بمعدل 75% وتم قبوله في معهد الطب التقني في باب المعظم في بغداد ولكن ضعف بصره حال بينه وبين الدراسة في المعهد كونها تعتمد على إمكانية الأبصار؛ فأجل وانتقل إلى الدراسة في جامعة واسط كلية التربية قسم اللغة الإنكليزية وكان ذلك في عام 2006م.

في المرحلة الثانية تعرض مهند لانهيار شديد في بصره جعله يفقد القدرة على القراءة والكتابة وحتى الحركة حتى تحت ضوء الشمس الذي كان مصدر النور الذي يعينه على ذلك. يقول مهند: “مثَّل ذلك انعطافةً حقيقيةً في مسيرتي الدراسية جعلتني أقف على مفترق طريقين : أأواصل دراستي بلا عينين أبصر بهما؟ أم أترك دراستي التي نسجت خيوط أحلامي من خلالها؟ عندها تجلى لي ما كنت أردده طوال حياتي من أن الله تعالى لن يترك عبداً علق كل آماله على ربه، وهذا ما تحقق عندما هيأ الباري تعالى لي ثلة من أصدقائي المخلصين، الذين سطروا في تلاحمهم ووقوفهم معي في محنتي أبهى صور الأخوة الحقيقية، التي لا بد أن تكون درساً تُستَمَد منه معاني الإخاء. عندما أصبحت عاجزاً عن قراءة موادي الدراسية؛ كان لزاماً علي التفكير في طريقة بديلة أتواصل من خلالها مع الكتاب فتحولت إلى السماع وهي طريقة – وإن لم تكن كافية لاستيعاب كامل للمادة – إلا أنها الحل الوحيد فكان أصدقائي يجتمعون عندي ويقرءون بصوت مرتفع؛ فاستوعب ما استوعبه، وأناقش أصدقائي كما لو كنت أنا الذي قرأ مادة الدرس.

وعند صبيحة كل يوم دراسي كان أحد أصدقائي يتكفل بمرافقتي إلى الجامعة آخذاً بيدي حتى إيصالي إلى كرسيي الذي لم أكن افارقه حتى انتهاء محاضراتي، كما تم حل مشكلة عدم قدرتي على الكتابة من خلال قرار أصدرته الجامعة استناداً إلى قرار اللجنة الطبية التي تم تشكيلها للنظر في الحالة بتعيين مساعد طالب يقوم بتدوين ما أمليه عليه. اجتزت المراحل الأربع منذ الأدوار الأولى، عندها كان لابد من اتخاذ قرار حاسم إما الاكتفاء بما تحقق أو الاستجابة لرغبة تلهبها نار طموح تتقد في داخلي محفزةً إياي لمواصلة طريقي نحو الدراسات العليا، رغم أنها كانت تبدو خطوة لايمكن أن تُخطى؛ لأن بصري قد انهار بشكل كبير والتقارير الطبية تؤكد وجوب معاملتي معاملة الكفيف. واتّخذت القـــــــــــــــــ­ــــــرار، تقدمت لدراسة الماجستير في جامعة بغداد

وهناك بدأ شوط معاناة آخر بطله هذه المرة ليس الظروف الصحية بل بعض الأكاديميين الذين ادعوا أنها المرة الأولى التي يتقدم فيها كفيف لدراسة الماجستير في اللغة الإنكليزية، وبدلاً من الأخذ بيدي وتشجيعي راحوا يضعون العراقيل تلو العراقيل في طريقي. تحديت كل تلك الصعاب، وأصررت على المضي قدماً نحو تحقيق هدفي المنشود في أن أصبح ذات يوم أستاذاً جامعياً. رحت أحضر قاعة الدرس، والصعوبات تزداد يوماً بعد يوم لعدم وجود من يقرأ لي، إلى أن منَّ الله تعالى علي بزميل لي في الدراسة أخذ على عاتقه مهمة مساندتي من خلال القرءة والمرافقة من محل السكن إلى الجامعة وبالعكس.

عند اجتيازي المرحلة الأولى وانتقالي إلى مرحلة كتابة البحث؛ برزت مشكلة أخرى تتمثل في كيفية حصولي على المصادر اللازمة للبحث وكيفية اطلاعي على المعلومات وتدوينها؛ فتكفل بمساعدتي أخواي الأصغران إدريس  وإيثار، إذ أخذا على عاتقيهما قراءة المصادر لي بطريقة أنهكتهما لدرجة لاتُتَصَوَّر، وأرهقتني أيضاً في ذات الوقت إذ أن مستواهما كطالبي مرحلة متوسطة لم يكن ليسعفهما في أن يتمكنا من القراءة بطلاقة بل كانا يقرآن كل كلمة عن طريق تجميع الحروف إلى أن تكتمل كلمة ثم جملة ثم فقرة.

وبعد معاناة يطول شرحها، تخرجت من جامعة بغداد كلية التربية ابن رشد قسم اللغة الإنكليزية حاملاً لشهادة الماجستير في علم اللغة. بعدها بدأت معالم تحقق أحلامي تتبلور؛ إذ بدأت بممارسة عملي كأستاذ جامعي، وانبرى لمساعدتي في هذه المرحلة أخي تقي ،الذي أخذ على عاتقه القيام بكل شيئ من مرافقتي من البيت إلى الجامعة وبالعكس، وتنظيم كل شؤوني من تدوين الملاحظات وإلى ما سوى ذلك، وهو الذي إذا سار معي، فاستدل طريقي حتى دون الحاجة إلى أن يمسك بيدي أحياناً. وأنا الآن أدرس في قسم الترجمة في كلية الآداب في جامعة واسط.

وأما عن دور أفراد العائلة الآخرين فيذكر مهند أنهم شكلوا وحدة دعم متكاملة، لم يكن بمقدوره تحقيق شيئ بدونهم، فوالده العسكري وفر له كل أشكال الدعم المادي، والوالدة والاخوات كن سبب التوفيق من خلال دعائهن المستمر بالتوفيق وتيسير الأمور.

وعن مهاراته الأخرى، يضيف مهند أنه خريج الدفعة الأولى لمشروع ال١٠٠٠ حافظ لكل القرآن الكريم لعام ٢٠١٥،  وحاصل على شهادة أيلتس من المجلس الثقافي البريطاني في بيروت عام ٢٠١٥ بدرجة ٧/٩، كما أنه عضو جمعية المترجمين العراقيين وعضو الاتحاد الدولي للترجمة، ويعمل تطوعاً ضمن الهيئة الإدارية لمؤسسة (يد الرحمة) للتكافل الاجتماعي.

وعن طموحه الحالي يذكر مهند أنه يأمل في الحصول على بعثة دراسية لدراسة الدكتوراه في إحدى الدول الأوروبية أو في أمريكا. واختتم مهند حديثه بالقول “إن أعتى المعوقات لا يمكنها الحيلولة دون تحقيق الأهداف إذا كان الشخص مؤمناً بأهدافه التي وضعها لنفسه، ومصراً على تحقيقها، وكم هو جميل أن تنجح وقد توقع الكثيرون فشلك”.

 أجرى الحوار: نائل قاسم

القراءة بالأذنين

القراءة بالأذنين

..إذا كان الطعام غذاء للجسد فالقراءة غذاء الروح
لهذا السبب تعتبر القراءة ضرورية للإنسان فهي المغذي للعقل بالمعلومات وبدونها يتبلد العقل ومن هذا المنطلق قررتُ إطلاق قناة (اقرأ بعيني) على اليوتيوب التي تعنى بقراءة الكتب الصوتية لفاقدي البصر وكذالك ضعاف البصر، انا وبرفقة أحد الأصدقاء وكلانى فاقدي البصر، ونعرف أهم المعوقات التي تعيق فاقد البصر عن القراءة. فمع التطور التقني الحاصل في العالم تنتشر الكتب المصورة بصيغة بي دي إف بشكل كبير في طباعة الكتب ولكن المشكلة التي تواجه الكفيف هي عدم قراءة الكتب المصورة إِلا ببرامج أو مواقع تقدم تحويل الكتب المصورة إِلى صيغة الوورد ليتمكن الكفيف من القراءة

ويجب علينا أن نذكر أننا لسنا أول من يطلق مثل هذه المبادرة على موقع اليوتيوب، بل يوجد الكثير، وحتى توجد تطبيقات على  متاجر الهواتف النقالة، لكننا جئنا بفكرة مغايرة لمن سبقنا، حيث فتحنا باب التطوع لكل شخص قادر ويتمكن من القراءة وفي أي مكان يستطيع كل شخص التطوع معنا، ونستعين بمواقع التواصل ونجعلها الواسطة بيننا 
 


:والهدف من فتح المجال بالتطوع في هذا المجال هو ابتعاد الفرد العربي عن القراءة والكتاب، فبالتطوع تكون المنفعة مشتركة
تحث المتطوع  على القراءة والاستفادة، والمستمع  إلى الكتاب من على القناة أيضاً منتفع. خلال ما يقرب 5 من أشهر استطعنا تسجيل عدة كتب وتم رفعها، ونحن نهدف إِلى تشجيع القراء العرب على القراءة بكل أنواعها

..رابط القناة

 

نائل قاسم 

الأهل ومواقفهم تجاه أبنائهم من ذوي الإعاقة الذهنية

الأهل ومواقفهم تجاه أبنائهم من ذوي الإعاقة الذهنية

إن مشكلة الإعاقة الذهنية مشكلة معقدة ومتعددة التخصصات، فهي بطبيعة تكوينها مشكلةٌ متعدِّدةُ الجوانبِ، ولها أبعاد صحية وطبية واجتماعيةٌ، وتعليميةٌ، ونفسيةٌ، وتأهيليةٌ، ومِهْنِيةٌ، وهذه الأبعادُ يتداخلُ بعضُها مع البعضِ الآخر، الأمر الذي يجعلُ من هذه المشكلةِ نموذجًا فريدًا من المشكلاتِ التي يقتضي الأمرُ في حلِّها التعاونَ بين الأجهزةِ المختلفةِ والتخصُّصات المتعدِّدة، من خلال تعاون أهل المعاق مع الأجهزة المتخصصة، وفي هذه الحالة يحتاج الأهل إِلى دراية ومعرفة في التربية الخاصة التي يجب أن توفر لابنهم، فلا يجب أن يترك من ذوي الاعاقة  لدرجة  الإهمال، وليس من الصحيح أن يقدموا للابن الحماية الزائدة، والتي قد تحول دون وصوله إلى الاستقلالية.

سوف أستعرض في هذا المقال مواقف الأهل تجاه أبنائهم من ذوي الإعاقة الذهنية، وأبرز مدى تأثير هذه المواقف في مستقبل ابنهم من ذوي الإعاقة .

من هو الطفل المتخلف عقلياً؟ ..لقد عرفت الجمعية الأمريكية التخلف العقلي بأنه: حالة تتميز بمستوى عقلي وظيفي دون المتوسط وتبدأ أثناء فترة النمو ويصاحبها قصور في السلوك التكيفي. في عام 1987 غيرت الجمعية الأمريكية للضعف العقلي اسمها إلى الاتحاد الأمريكي للتخلف العقلي وأصدرت تعريفها للتخلف العقلي في عام 1992 والذي ينص على ما يلي “يدل التخلف العقلي على قصور جوهري في الأداء الوظيفي العقلي أقل من المتوسط ويصاحب هذا القصور عائقين أو أكثر في إحدى مهارات التكيف التالية: الاتصال والعناية بالذات والمعيشة المنزلية والمهارات الاجتماعية والتعامل مع المجتمع المحلي وتوجيه الذات والصحة والأمان والمهارات الأكاديمية الوظيفية ووقت الفراغ والعمل ويظهر التخلف العقلي قبل سن الثامنة عشرة.”

الإعاقة الذهنية: هنالك نوعان للإعاقة  الذهنية نوع عضوي والآخر ليس له أسباب معروفة ومعينة، فالوراثة والحروب هما أكثر الأسباب التي تسبب الإعاقة في الأسباب اللا عضوية، إن نسبة الأشخاص المعاقين عقلياً لأسباب عضوية أقل بكثير من نسبة أولئك المعاقين دون سبب عضوي معروف، إذ تبلغ نسبة المعاقين عضوياً 25% مقابل 7.75%  بدون سبب عضوي.

تأثير المولود المعاق ذهنياً على الأسرة : يمثل ميلاد الطفل المعاق عقلياً وحتى ميلاد طفل بإعاقة أخرى  أحياناً أزمة شديدة في داخل الأسرة حيث يحدث الحزن والاضطراب واللوم بين أفراد تلك الأسرة، ويظهر ما يسمى بموقف الأزمة وينتهي بمرحلة حل الأزمة والتقبل.(وتعرف الأزمة بأنها اضطراب عاطفي حاد يؤثر في قدرة الفرد على التصدي للمشكلات العاطفية أو المعرفية أو السلوكية ويؤثر كذلك في قدراته على حل مشاكله بالوسائل العادية الخاصة. )  و في بعض الحالات يكون وجود الطفل المعاق بداية لهموم ومشاكل نفسية داخل الأسرة وكذالك أعباء مادية شاقة، مخاوف وشكوك متزايدة لدى الوالدين وبداية صراعات في وجهات النظر، واختلافات في الآراء وتبادل الاتهامات ولوم الذات ولوم الآخرين وسيطرة لنزعات التشاؤم وتحطيم الثقة في الذات، وقد يلقى أحد الوالدين اللوم على الآخر مما يتطلب التدخل ومعالجة الموقف ومساندة الأهل.

إن تشخيص حالة الطفل من حيث الصعوبات الذهنية والانفعالية والحسية أو الجسدية يخلق عامل الضغط القوي في داخل الأسرة حيث يعمل ذلك الضغط على إحلال القلق، والمعاناة وعدم الاستقرار النفسي ويحصل شيء من التفكك داخل إطار الأسرة بسبب المشكلة التي فرضت عليها بسبب إعاقة أحد أفرادها، ولابد من مواجهة المشكلة وتقبلها كحقيقة واقعية موجودة، ومن ثم معايشتها والتسليم للواقع الموجود، والأخذ بيد الطفل المعاق لمساعدته قدر الإمكان، ولابد من عدم استثناءه من بين أفراد أسرته، وكذلك الأسرة مطالبة بتوفير كل ما يحتاجه الطفل المعاق شريطة أن لا يكون على حساب أفراد الأسرة الآخرين. وهنا تبرز مشكلة لدى الزوجين بين توفير كل الحاجات الضرورية للطفل المعاق واحتياجات الآخرين وبين ظروف عمل الزوجين، وغالباً ما يجد الزوجان أن كل ما يقومان به تجاه أسرتهما هو على حسابهما، فبعض الآباء يعيشون حزن دائم بسبب ابنهما وكأنه شارف على الموت، وقسم آخر يعيشون قلق مستمر بسبب التفكير الزائد في مستقبل المعاق الذي أنجبوه،  ومنهم من يواجهون الأزمة بالصبر ، وآخرون يقلقون ويشعرون بالصدمة والخوف والغضب والذنب.

تأثر الآباء والأمهات بشكل مختلف لوجود طفل معوق في الأسرة. تشير الدراسات إلى أن هناك اختلافات بين الوالدين تتعلق بكيفية استجاباتهما للضغط وقد لوحظ أن الأمهات يظهرن أكثر معاناة في مواجهتهن المشاكل المتعلقة بالطب النفسي أو العقلي عن الآباء، وأن الاختلاف بين الأمهات والآباء يبرز في حالة التشاؤم حول مستقبل الابن المعاق، إذ بدت الأمهات أكثر تشاؤما من الآباء في هذا الأمر. في بعض الأحيان  يتنكر  الأب لابنه المعاق، فيحاول أن يخلص نفسه من مسؤولية الابن المعاق مما يؤدي إِلى أن تفقد الأسرة جزء من تماسكها وتدب الخلافات بينهما،  و أحياناً يلقي أحدهما باللوم على الآخر في تربيته والاعتناء به، وقد تجد الأم نفسها منعزلة تعيش مع مخاوفها الأمر الذي لا يكون في مصلحة ابنها المعاق.و في بعض الحالات  حساسية الأب والأم تكون بنفس النسبة، كما أن معاناتهم بهذا الشأن واحدة.

إن نظرة المجتمع إلى الطفل المتخلف عقلياً ذات أهمية كبيرة، وإن هذه النظرة تنعكس على سلوك أفراد ذلك المجتمع نحو ذلك الطفل المتخلف عقلياً، الأمر الذي يؤثر في تطوره، يرى بعض أفراد المجتمع بالاصطلاح (متخلف عقلياً) أن هناك شخصاً يعانى التخلف العقلي بالإضافة إلى أنه يعاني من إعاقات أخرى مع وصمة من العار، وكأن المعاق عقلياً هو السبب الرئيسي في إعاقته هذه، ولذلك فهو جدير بهذا اللقب السيء وهذه النظرة هي نظرة قاسية جداً. وقد بينت دراسات حول نظرة المجتمع للمعاق عقلياً أن النساء تعبر عن اتجاهات أكثر تفضيلاً مما يعبر عنه الرجال، وتقول الدراسات أيضاً أن الأفراد  الأصغر سناً تعبر عن اتجاهات ومشاعر أكثر إيجابية من الأفراد الأكبر منهم سناً، أما على الصعيد الثقافي للأفراد – لا يوجد اتفاق بين الدراسات المتعلقة بالعامل الثقافي، إذ تشير بعض الدراسات إلى زيادة الاتجاهات الإيجابية عند الأفراد الأكثر تعلماً، فقد دلت دراسات أخرى على عكس ذلك تماما، أي أن الناس الأقل تعلماً أظهروا مواقف إيجابية نحو المتخلف العقلي.

وفي دراسة أجراها الباحث توديس (1983) هدفها التعرف على تأثير مكانة الأسرة الاجتماعية على الاتجاهات لدى الوالدين، دلت هذه الدراسة أن هناك علاقة مباشرة بين اتجاه رفض الوالدين واتجاه الحماية الزائدة وبين المكانة الاجتماعية للأسرة فكلما كانت المكانة الاجتماعية عالية كان الرفض لدى الوالدين والحماية المفرطة أكثر. وفي دراسة للباحث فوزي طعيمة ( 1984) تبين أن وجود طفل متخلف عقلياً في الأسرة يؤثر على اتجاهات الوالدين، حيث وجد أن استجابات آباء غير المتخلفين أكثر ايجابية من آباء الأطفال المتخلفين، كذلك يؤثر في المستوى التعليمي للآباء والأمهات على اتجاهاتهم نحو الإعاقة، حيث ثبت أن الوالدين ذوي المستويات التعليمية الأعلى تكون اتجاهاتهم أكثر إيجابية.

تحتاج أسرة المعاق إلى معرفة الخدمات التي يحتاجها طفلها، والأسرة بحاجة أيضاً إلى معرفة حقوقها وواجباتها بالنسبة للإعاقة وهي بحاجة أيضاً لربطها بالمنظمات الاجتماعية القريبة منها، حيث يساهم الأخصائي في تقبل الأسرة إعاقة طفلها وملاءمة مشاعرها وسلوكها لوضعه، وفي التعامل مع إعاقة الطفل بشكل طبيعي دون حرج أو ملل أو إظهار عدم ارتياح في مواجهة الإعاقة، وهذا السلوك يساعد الطفل على تقبل حالته المرضية والتعايش بصورة مثالية كما يساعد الأسرة على معايشة المشكلة معها بصلابة وثبات وصبر، في نهاية المقال نقول.. يجب أن تمر الأسرة بتدريبات سلوكية خاصة تتعلق بالوضع الجديد مع الطفل المعاق، من شأنها أن تسهل على الأسرة احتمال الحالة الطارئة التي تمر بها والتكيف معها وإتقان مهارات ضرورية مثل عملية إطعام الطفل، ومهارة إدخال الطفل المعاق في إطار يمارس فيه ألعاباً معينة تتلاءم مع حالته المرضية، ومهارة التفاعل والانسجام الاجتماعي، ومهارة التعود على النطق والكلام والكتابة وغيرها.

بقلم: نائل قاسم