أحلام مهند

أحلام مهند

في داخل كل إنسان طاقة هائلة يمكن للفرد أن يوظفها في أي مجال يرى نفسه يبدع فيه، وعندما تبدع، يمكنك أن تفتخر بإبداعك وكذلك الحال مع الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين حرموا من وسائل الإبداع  يبدعون رغم كل ما يعيقهم ليسيروا في الحياة بخطى ثابتة متحدين كل المشاكل التي تعترضهم. هكذا يمكننا أن نصف حياة (مهند هادي) من العراق، الحاصل على شهادة الماجستير في اللغة الإنكليزية من جامعة بغداد، وأحد أساتذة قسم الترجمة في جامعة واسط، وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين شقوا طريقهم نحو الإبداع، متحدياً كل العقبات، متجهاً نحو طريق النجاح. يفتتح مهند حديثه إلى مجلة آفاق الاحتياجات الخاصة قائلاً: “في تمام الثانية والنصف من ظهيرة يوم الجمعة 30/مايو/1986م وفي قرية مرزاباد الحدودية، إحدى قرى محافظة واسط و تبعد 70 كم  من شرق مركزها، رزق السيد هادي عبد الأمير الطالقاني بأول أبنائه، إلى هنا يبدوا الأمر طبيعياً لكن تعالوا معي نطالع جنبات قصة مكافح لم يعرف اليأس يوماً إلى قلبه طريقاً.

 

أخذ مهند يكبر يوماً بعد يوم وإهتمام عائلته وتعلقهم به وإستئناسهم به كطفلهم الوحيد يأخذ بالازدياد، يواصل مهند حديثه قائلاً: “في خضم هذه الأجواء العائلية المفعمة بعبق الطفولة لم يكن أحد يتخيل أن زيارة أحد الأقارب ستكشف عن سر شَكَّلَ فيما بعد صدمة لم يستفيقوا منها. عندما كان عمر مهند 3 سنوات وهو يسرح ويمرح بين والديه وأعمامه وجدته لأبيه وإذا بالضيف ينتبه إلى ما غفل عنه الجميع ولكنه صمت وقام بإخراج عملة حديدية من جيبه ورماها على أرضية الغرفة ملاعباً مهند ولكن ما أصاب الجميع بالذهول أن مهنداً وبدلاً من التقاط الدينار الحديدي راح يحرك يديه هنا وهناك في محيط المنطقة (مصدر الصوت) حتى عثر عليه فاكتشفوا أن هناك مشكلة في عينيه جعلته يستخدم يديه بدلاً عنهما. يضيف مهند: “من هنا بدأت رحلة معاناة الوالد وهو يجوب المستشفيات وعيادات أطباء العيون باحثاً عن علاج لابنه ولكن الجميع كانوا يخبرونه باستحالة علاجي”.

مرت الأيام وأصبح عمر مهند 6 سنوات – سن الالتحاق بمقاعد الدراسة – ولكن والده رفض تسجيله في المدرسة خوفاً مما سيلاقيه من صعوبات. في السنة التالية أفلح مدير المدرسة الذي زار العائلة رفقة بعض المعلمين في إقناع والد مهند بالسماح بالتحاق مهند بمقاعد الدراسة. تشير المعلومات التي حصلنا عليها إلى أن مهنداً أظهر منذ الأيام الاولى أنه يتمتع بقابليات ومهارات تفوَّق بها على كثير من أقرانه المبصرين.

اجتاز المرحلة الأبتدائية بتفوّق باهر جعل الأنظار تتوجه نحوه بالإعجاب تارةً وبالاستغراب تارةً أخرى، إذ كان الكثيرون يتساءلون كيف لضعيف بصر أن يتفوق على أقران مبصرين؟!. بجانب تفوقه في دراسته كان مهند يتمتع بروح فكاهية أذ أنه كان يمزح مع من حوله عند حلول الغروب قائلاً لهم “عــــــزلت” إذ كان ضوء الشمس المصدر الوحيد الذي يعينه على القراءة والكتابة والحركة. التحق مهند بعدها بالثانوية التي كانت تبعد مسافة 10كم عن محل سكنه ما مثّل عناءاً إضافياً، في تلك المرحلة برزت لمهند مهارات أخرى بجانب تفوقه دراسياً فكان يجيد تلاوة وحفظ القرآن الكريم، وأولع بكتابة الشعر بنوعيه الشعبي والفصيح، وأولع بشدة باللغة الإنكليزية حتى أصبح تحدثها سمةً مميزةً له. تخرج من الصف السادس العلمي عام 2005م بمعدل 75% وتم قبوله في معهد الطب التقني في باب المعظم في بغداد ولكن ضعف بصره حال بينه وبين الدراسة في المعهد كونها تعتمد على إمكانية الأبصار؛ فأجل وانتقل إلى الدراسة في جامعة واسط كلية التربية قسم اللغة الإنكليزية وكان ذلك في عام 2006م.

في المرحلة الثانية تعرض مهند لانهيار شديد في بصره جعله يفقد القدرة على القراءة والكتابة وحتى الحركة حتى تحت ضوء الشمس الذي كان مصدر النور الذي يعينه على ذلك. يقول مهند: “مثَّل ذلك انعطافةً حقيقيةً في مسيرتي الدراسية جعلتني أقف على مفترق طريقين : أأواصل دراستي بلا عينين أبصر بهما؟ أم أترك دراستي التي نسجت خيوط أحلامي من خلالها؟ عندها تجلى لي ما كنت أردده طوال حياتي من أن الله تعالى لن يترك عبداً علق كل آماله على ربه، وهذا ما تحقق عندما هيأ الباري تعالى لي ثلة من أصدقائي المخلصين، الذين سطروا في تلاحمهم ووقوفهم معي في محنتي أبهى صور الأخوة الحقيقية، التي لا بد أن تكون درساً تُستَمَد منه معاني الإخاء. عندما أصبحت عاجزاً عن قراءة موادي الدراسية؛ كان لزاماً علي التفكير في طريقة بديلة أتواصل من خلالها مع الكتاب فتحولت إلى السماع وهي طريقة – وإن لم تكن كافية لاستيعاب كامل للمادة – إلا أنها الحل الوحيد فكان أصدقائي يجتمعون عندي ويقرءون بصوت مرتفع؛ فاستوعب ما استوعبه، وأناقش أصدقائي كما لو كنت أنا الذي قرأ مادة الدرس.

وعند صبيحة كل يوم دراسي كان أحد أصدقائي يتكفل بمرافقتي إلى الجامعة آخذاً بيدي حتى إيصالي إلى كرسيي الذي لم أكن افارقه حتى انتهاء محاضراتي، كما تم حل مشكلة عدم قدرتي على الكتابة من خلال قرار أصدرته الجامعة استناداً إلى قرار اللجنة الطبية التي تم تشكيلها للنظر في الحالة بتعيين مساعد طالب يقوم بتدوين ما أمليه عليه. اجتزت المراحل الأربع منذ الأدوار الأولى، عندها كان لابد من اتخاذ قرار حاسم إما الاكتفاء بما تحقق أو الاستجابة لرغبة تلهبها نار طموح تتقد في داخلي محفزةً إياي لمواصلة طريقي نحو الدراسات العليا، رغم أنها كانت تبدو خطوة لايمكن أن تُخطى؛ لأن بصري قد انهار بشكل كبير والتقارير الطبية تؤكد وجوب معاملتي معاملة الكفيف. واتّخذت القـــــــــــــــــ­ــــــرار، تقدمت لدراسة الماجستير في جامعة بغداد

وهناك بدأ شوط معاناة آخر بطله هذه المرة ليس الظروف الصحية بل بعض الأكاديميين الذين ادعوا أنها المرة الأولى التي يتقدم فيها كفيف لدراسة الماجستير في اللغة الإنكليزية، وبدلاً من الأخذ بيدي وتشجيعي راحوا يضعون العراقيل تلو العراقيل في طريقي. تحديت كل تلك الصعاب، وأصررت على المضي قدماً نحو تحقيق هدفي المنشود في أن أصبح ذات يوم أستاذاً جامعياً. رحت أحضر قاعة الدرس، والصعوبات تزداد يوماً بعد يوم لعدم وجود من يقرأ لي، إلى أن منَّ الله تعالى علي بزميل لي في الدراسة أخذ على عاتقه مهمة مساندتي من خلال القرءة والمرافقة من محل السكن إلى الجامعة وبالعكس.

عند اجتيازي المرحلة الأولى وانتقالي إلى مرحلة كتابة البحث؛ برزت مشكلة أخرى تتمثل في كيفية حصولي على المصادر اللازمة للبحث وكيفية اطلاعي على المعلومات وتدوينها؛ فتكفل بمساعدتي أخواي الأصغران إدريس  وإيثار، إذ أخذا على عاتقيهما قراءة المصادر لي بطريقة أنهكتهما لدرجة لاتُتَصَوَّر، وأرهقتني أيضاً في ذات الوقت إذ أن مستواهما كطالبي مرحلة متوسطة لم يكن ليسعفهما في أن يتمكنا من القراءة بطلاقة بل كانا يقرآن كل كلمة عن طريق تجميع الحروف إلى أن تكتمل كلمة ثم جملة ثم فقرة.

وبعد معاناة يطول شرحها، تخرجت من جامعة بغداد كلية التربية ابن رشد قسم اللغة الإنكليزية حاملاً لشهادة الماجستير في علم اللغة. بعدها بدأت معالم تحقق أحلامي تتبلور؛ إذ بدأت بممارسة عملي كأستاذ جامعي، وانبرى لمساعدتي في هذه المرحلة أخي تقي ،الذي أخذ على عاتقه القيام بكل شيئ من مرافقتي من البيت إلى الجامعة وبالعكس، وتنظيم كل شؤوني من تدوين الملاحظات وإلى ما سوى ذلك، وهو الذي إذا سار معي، فاستدل طريقي حتى دون الحاجة إلى أن يمسك بيدي أحياناً. وأنا الآن أدرس في قسم الترجمة في كلية الآداب في جامعة واسط.

وأما عن دور أفراد العائلة الآخرين فيذكر مهند أنهم شكلوا وحدة دعم متكاملة، لم يكن بمقدوره تحقيق شيئ بدونهم، فوالده العسكري وفر له كل أشكال الدعم المادي، والوالدة والاخوات كن سبب التوفيق من خلال دعائهن المستمر بالتوفيق وتيسير الأمور.

وعن مهاراته الأخرى، يضيف مهند أنه خريج الدفعة الأولى لمشروع ال١٠٠٠ حافظ لكل القرآن الكريم لعام ٢٠١٥،  وحاصل على شهادة أيلتس من المجلس الثقافي البريطاني في بيروت عام ٢٠١٥ بدرجة ٧/٩، كما أنه عضو جمعية المترجمين العراقيين وعضو الاتحاد الدولي للترجمة، ويعمل تطوعاً ضمن الهيئة الإدارية لمؤسسة (يد الرحمة) للتكافل الاجتماعي.

وعن طموحه الحالي يذكر مهند أنه يأمل في الحصول على بعثة دراسية لدراسة الدكتوراه في إحدى الدول الأوروبية أو في أمريكا. واختتم مهند حديثه بالقول “إن أعتى المعوقات لا يمكنها الحيلولة دون تحقيق الأهداف إذا كان الشخص مؤمناً بأهدافه التي وضعها لنفسه، ومصراً على تحقيقها، وكم هو جميل أن تنجح وقد توقع الكثيرون فشلك”.

 أجرى الحوار: نائل قاسم

You might also like

حكايات اّفاق 0 Comments

 طارق القلاف… مبارز عالمي من ذهب

 من أشهر لاعبي المبارزة في العالم  في لعبة المبارزة على الكرسي المتحرك، حاصل على كأسين: الأول أفضل لاعب في العالم والثاني المصنف الأول على العالم في لعبة المبارزة على الكرسي المتحرك،

حكايات اّفاق 0 Comments

جنات) الرسامة… بأصابع قدمها صنعت الإصرار والعزيمة)

 جنات) الرسامة واسمها جنات قيس ملوح مواليد2001 بغداد ولدت)  ،وهي مصابة بضمور العضلات وتكلس العظام وتقوس العمود الفقري بعمر خمس سنوات قامت والدتها السيدة (أمل حسن) وشقيقتها بتعليم جنات القراءة

حكايات اّفاق 0 Comments

معلمي وصديقي/ أحمد البحر

أنا أُدرِس الأدب في إحدى الجامعات الكويتية، وأنا أتحدى إعاقتي، وإن كانت غير مرئية: وهي مرض التصلب العصبي المتعدد، وهو مرض عصبي أصاب العديد من الكويتيين منذ حرب الخليج عام