الأهل ومواقفهم تجاه أبنائهم من ذوي الإعاقة الذهنية

الأهل ومواقفهم تجاه أبنائهم من ذوي الإعاقة الذهنية

الأهل ومواقفهم تجاه أبنائهم من ذوي الإعاقة الذهنية

إن مشكلة الإعاقة الذهنية مشكلة معقدة ومتعددة التخصصات، فهي بطبيعة تكوينها مشكلةٌ متعدِّدةُ الجوانبِ، ولها أبعاد صحية وطبية واجتماعيةٌ، وتعليميةٌ، ونفسيةٌ، وتأهيليةٌ، ومِهْنِيةٌ، وهذه الأبعادُ يتداخلُ بعضُها مع البعضِ الآخر، الأمر الذي يجعلُ من هذه المشكلةِ نموذجًا فريدًا من المشكلاتِ التي يقتضي الأمرُ في حلِّها التعاونَ بين الأجهزةِ المختلفةِ والتخصُّصات المتعدِّدة، من خلال تعاون أهل المعاق مع الأجهزة المتخصصة، وفي هذه الحالة يحتاج الأهل إِلى دراية ومعرفة في التربية الخاصة التي يجب أن توفر لابنهم، فلا يجب أن يترك من ذوي الاعاقة  لدرجة  الإهمال، وليس من الصحيح أن يقدموا للابن الحماية الزائدة، والتي قد تحول دون وصوله إلى الاستقلالية.

سوف أستعرض في هذا المقال مواقف الأهل تجاه أبنائهم من ذوي الإعاقة الذهنية، وأبرز مدى تأثير هذه المواقف في مستقبل ابنهم من ذوي الإعاقة .

من هو الطفل المتخلف عقلياً؟ ..لقد عرفت الجمعية الأمريكية التخلف العقلي بأنه: حالة تتميز بمستوى عقلي وظيفي دون المتوسط وتبدأ أثناء فترة النمو ويصاحبها قصور في السلوك التكيفي. في عام 1987 غيرت الجمعية الأمريكية للضعف العقلي اسمها إلى الاتحاد الأمريكي للتخلف العقلي وأصدرت تعريفها للتخلف العقلي في عام 1992 والذي ينص على ما يلي “يدل التخلف العقلي على قصور جوهري في الأداء الوظيفي العقلي أقل من المتوسط ويصاحب هذا القصور عائقين أو أكثر في إحدى مهارات التكيف التالية: الاتصال والعناية بالذات والمعيشة المنزلية والمهارات الاجتماعية والتعامل مع المجتمع المحلي وتوجيه الذات والصحة والأمان والمهارات الأكاديمية الوظيفية ووقت الفراغ والعمل ويظهر التخلف العقلي قبل سن الثامنة عشرة.”

الإعاقة الذهنية: هنالك نوعان للإعاقة  الذهنية نوع عضوي والآخر ليس له أسباب معروفة ومعينة، فالوراثة والحروب هما أكثر الأسباب التي تسبب الإعاقة في الأسباب اللا عضوية، إن نسبة الأشخاص المعاقين عقلياً لأسباب عضوية أقل بكثير من نسبة أولئك المعاقين دون سبب عضوي معروف، إذ تبلغ نسبة المعاقين عضوياً 25% مقابل 7.75%  بدون سبب عضوي.

تأثير المولود المعاق ذهنياً على الأسرة : يمثل ميلاد الطفل المعاق عقلياً وحتى ميلاد طفل بإعاقة أخرى  أحياناً أزمة شديدة في داخل الأسرة حيث يحدث الحزن والاضطراب واللوم بين أفراد تلك الأسرة، ويظهر ما يسمى بموقف الأزمة وينتهي بمرحلة حل الأزمة والتقبل.(وتعرف الأزمة بأنها اضطراب عاطفي حاد يؤثر في قدرة الفرد على التصدي للمشكلات العاطفية أو المعرفية أو السلوكية ويؤثر كذلك في قدراته على حل مشاكله بالوسائل العادية الخاصة. )  و في بعض الحالات يكون وجود الطفل المعاق بداية لهموم ومشاكل نفسية داخل الأسرة وكذالك أعباء مادية شاقة، مخاوف وشكوك متزايدة لدى الوالدين وبداية صراعات في وجهات النظر، واختلافات في الآراء وتبادل الاتهامات ولوم الذات ولوم الآخرين وسيطرة لنزعات التشاؤم وتحطيم الثقة في الذات، وقد يلقى أحد الوالدين اللوم على الآخر مما يتطلب التدخل ومعالجة الموقف ومساندة الأهل.

إن تشخيص حالة الطفل من حيث الصعوبات الذهنية والانفعالية والحسية أو الجسدية يخلق عامل الضغط القوي في داخل الأسرة حيث يعمل ذلك الضغط على إحلال القلق، والمعاناة وعدم الاستقرار النفسي ويحصل شيء من التفكك داخل إطار الأسرة بسبب المشكلة التي فرضت عليها بسبب إعاقة أحد أفرادها، ولابد من مواجهة المشكلة وتقبلها كحقيقة واقعية موجودة، ومن ثم معايشتها والتسليم للواقع الموجود، والأخذ بيد الطفل المعاق لمساعدته قدر الإمكان، ولابد من عدم استثناءه من بين أفراد أسرته، وكذلك الأسرة مطالبة بتوفير كل ما يحتاجه الطفل المعاق شريطة أن لا يكون على حساب أفراد الأسرة الآخرين. وهنا تبرز مشكلة لدى الزوجين بين توفير كل الحاجات الضرورية للطفل المعاق واحتياجات الآخرين وبين ظروف عمل الزوجين، وغالباً ما يجد الزوجان أن كل ما يقومان به تجاه أسرتهما هو على حسابهما، فبعض الآباء يعيشون حزن دائم بسبب ابنهما وكأنه شارف على الموت، وقسم آخر يعيشون قلق مستمر بسبب التفكير الزائد في مستقبل المعاق الذي أنجبوه،  ومنهم من يواجهون الأزمة بالصبر ، وآخرون يقلقون ويشعرون بالصدمة والخوف والغضب والذنب.

تأثر الآباء والأمهات بشكل مختلف لوجود طفل معوق في الأسرة. تشير الدراسات إلى أن هناك اختلافات بين الوالدين تتعلق بكيفية استجاباتهما للضغط وقد لوحظ أن الأمهات يظهرن أكثر معاناة في مواجهتهن المشاكل المتعلقة بالطب النفسي أو العقلي عن الآباء، وأن الاختلاف بين الأمهات والآباء يبرز في حالة التشاؤم حول مستقبل الابن المعاق، إذ بدت الأمهات أكثر تشاؤما من الآباء في هذا الأمر. في بعض الأحيان  يتنكر  الأب لابنه المعاق، فيحاول أن يخلص نفسه من مسؤولية الابن المعاق مما يؤدي إِلى أن تفقد الأسرة جزء من تماسكها وتدب الخلافات بينهما،  و أحياناً يلقي أحدهما باللوم على الآخر في تربيته والاعتناء به، وقد تجد الأم نفسها منعزلة تعيش مع مخاوفها الأمر الذي لا يكون في مصلحة ابنها المعاق.و في بعض الحالات  حساسية الأب والأم تكون بنفس النسبة، كما أن معاناتهم بهذا الشأن واحدة.

إن نظرة المجتمع إلى الطفل المتخلف عقلياً ذات أهمية كبيرة، وإن هذه النظرة تنعكس على سلوك أفراد ذلك المجتمع نحو ذلك الطفل المتخلف عقلياً، الأمر الذي يؤثر في تطوره، يرى بعض أفراد المجتمع بالاصطلاح (متخلف عقلياً) أن هناك شخصاً يعانى التخلف العقلي بالإضافة إلى أنه يعاني من إعاقات أخرى مع وصمة من العار، وكأن المعاق عقلياً هو السبب الرئيسي في إعاقته هذه، ولذلك فهو جدير بهذا اللقب السيء وهذه النظرة هي نظرة قاسية جداً. وقد بينت دراسات حول نظرة المجتمع للمعاق عقلياً أن النساء تعبر عن اتجاهات أكثر تفضيلاً مما يعبر عنه الرجال، وتقول الدراسات أيضاً أن الأفراد  الأصغر سناً تعبر عن اتجاهات ومشاعر أكثر إيجابية من الأفراد الأكبر منهم سناً، أما على الصعيد الثقافي للأفراد – لا يوجد اتفاق بين الدراسات المتعلقة بالعامل الثقافي، إذ تشير بعض الدراسات إلى زيادة الاتجاهات الإيجابية عند الأفراد الأكثر تعلماً، فقد دلت دراسات أخرى على عكس ذلك تماما، أي أن الناس الأقل تعلماً أظهروا مواقف إيجابية نحو المتخلف العقلي.

وفي دراسة أجراها الباحث توديس (1983) هدفها التعرف على تأثير مكانة الأسرة الاجتماعية على الاتجاهات لدى الوالدين، دلت هذه الدراسة أن هناك علاقة مباشرة بين اتجاه رفض الوالدين واتجاه الحماية الزائدة وبين المكانة الاجتماعية للأسرة فكلما كانت المكانة الاجتماعية عالية كان الرفض لدى الوالدين والحماية المفرطة أكثر. وفي دراسة للباحث فوزي طعيمة ( 1984) تبين أن وجود طفل متخلف عقلياً في الأسرة يؤثر على اتجاهات الوالدين، حيث وجد أن استجابات آباء غير المتخلفين أكثر ايجابية من آباء الأطفال المتخلفين، كذلك يؤثر في المستوى التعليمي للآباء والأمهات على اتجاهاتهم نحو الإعاقة، حيث ثبت أن الوالدين ذوي المستويات التعليمية الأعلى تكون اتجاهاتهم أكثر إيجابية.

تحتاج أسرة المعاق إلى معرفة الخدمات التي يحتاجها طفلها، والأسرة بحاجة أيضاً إلى معرفة حقوقها وواجباتها بالنسبة للإعاقة وهي بحاجة أيضاً لربطها بالمنظمات الاجتماعية القريبة منها، حيث يساهم الأخصائي في تقبل الأسرة إعاقة طفلها وملاءمة مشاعرها وسلوكها لوضعه، وفي التعامل مع إعاقة الطفل بشكل طبيعي دون حرج أو ملل أو إظهار عدم ارتياح في مواجهة الإعاقة، وهذا السلوك يساعد الطفل على تقبل حالته المرضية والتعايش بصورة مثالية كما يساعد الأسرة على معايشة المشكلة معها بصلابة وثبات وصبر، في نهاية المقال نقول.. يجب أن تمر الأسرة بتدريبات سلوكية خاصة تتعلق بالوضع الجديد مع الطفل المعاق، من شأنها أن تسهل على الأسرة احتمال الحالة الطارئة التي تمر بها والتكيف معها وإتقان مهارات ضرورية مثل عملية إطعام الطفل، ومهارة إدخال الطفل المعاق في إطار يمارس فيه ألعاباً معينة تتلاءم مع حالته المرضية، ومهارة التفاعل والانسجام الاجتماعي، ومهارة التعود على النطق والكلام والكتابة وغيرها.

بقلم: نائل قاسم