تحدي الواقع

تحدي الواقع

خلال نشأتي في العراق وإنجلترا على كرسي متحرك، تقت شوقاً للتعرف إلى أشخاص في مثل حالتي، يشجعونني ويدفعونني إلى تحقيق أحلامي وطموحاتي، أو حتى لتقبلي كما أنا.

لطالما حاولت طمس معالم إعاقتي، لم أنكرها كلياً، حيث أنني علمت منذ الصغر أنني مختلفة عن الآخرين، لكنني وجدت أن اعترافي بها سيعني هزيمتي، وسيجعل طريق المستقبل مظلماً أمامي، أنا لم أصادف يوماً شخص ذو إعاقة لكنه سوي مهنياً.

خلال دراستي في مدرسة خاصة بالمعوقين، قامت بزيارة المدرسة مؤسسة (جراي) المسرحية التي تقدم ممثلين ذوي إعاقة والتي شارك بإنشائها البريطاني العربي(نبيل شعبان). عندها شعرت بأن حلمي في التمثيل أصبح ممكناً، وأن إعاقتي لن تمنعني من تحقيق ما أريد، درست الدراما وتخيلت نفسي على خشبة المسرح،  لكن كلما تقدمت في السن وجدتني أتخلى عن الفكرة خاصةً عندما فشلت في رؤية أي شخص معاق على شاشة التلفزيون، لم أشعر أنني سأحصل على الدعم الذي أحتاجه.

مع مرور السنين، كانت التحديات  تتلاشى ببطء وبدأ المجتمع يعترف بالأشخاص المعوقين كأعضاء متساوين في المجتمع وفي مختلف مجالات العمل، لكن؛ وبالرغم من التحسن الذي شهدته الخدمات في العديد من البلدان العربية في المنطقة من حيث إنشاء مرافق لتسهيل حركة وتنقل الأشخاص ذوي الإعاقة وتنظيم الفعاليات والنشاطات الرياضية والاجتماعية لهم؛ لازلنا نرى أن عدد المراكز التي تعنى بالمعاقين ويتم إدارتها من قبل أشخاص يمرون بنفس الظروف قليل جداً.


نحن بحاجة إلى رؤية وسماع أصوات المزيد من أشخاص ذوي إعاقة وإتاحة الفرصة لهم ليتولوا بأنفسهم إدارة الجمعيات الخيرية والمؤسسات غير الحكومية المتخصصة. للأسف، فإن أغلبية المنظمات التي تعنى بالمعاقين ليست بقيادة أحدهم، مما يعني أن الأشخاص المعاقين هم على الطرف الآخر من المسألة، بدلاً من من إعطاءهم فرصة إدارة دفة التغيير بأنفسهم. هذا الحال يعزز فكرة أنهم بحاجة إلى المساعدة لتحقيق أي شيء، بدلاً من تحفيزهم وإشعارهم بالتمكين، هذا يؤدي  إلى إحباط آمال وتطلعات العديد من الشباب المعاقين حيث أنهم لا يملكون أي نموذج يحتذى به. على المستوى الإقليمي، هناك أقل من 10 منظمات يقودها أشخاص معاقون في مصر، حيث تؤكد إحدى المنظمات غير الربحية إنها تهدف إلى تشجيع الإندماج الكامل للمعوقين في المجتمع وخاصة في القوى العاملة.، لكنه يدار من خلال أشخاص أسوياء جسدياً، ويبدو أنه لا يوجد أي دور فعال لأعضاء المركز من المعاقين.

في الإمارات العربية المتحدة، هناك العديد من المؤسسات الخيرية التي تتحدى الوضع الراهن للمعوقين وتعمل على دمج هذه الفئة من المجتمع على نطاق أوسع، لكن الغالبية العظمى لا يقودها الأشخاص المعنيين بهذه المسألة. وهذه إشكالية، إذ كيف يمكنك تمثيل شريحة من المجتمع أنت لست منهم؟ حتى اللغة التي تستخدمها بعض هذه المنظمات تكون غير مطابقة للغة التي يستخدمها المعاقون أنفسهم لوصف معاناتهم.

في إنجلترا وجدت العديد من المعاقين النشطاء يتحدون باسم هذة الفئة من المجتمع، هذا أمر غاية في الأهمية لأنه لا يصح أن ننشئ بيئة تحد من قدرة المعاقين على طلب حقوقهم من قبل أشخاص غير معاقين. هذا يعنى أننا نمدهم بما هو غير صحيح أو غير مطابق لحقيقة ما يحتاجونه فعلياً.

لذا، بدلاً من وضع المزيد من الضغوطات على الأشخاص ذوو الإعاقة لكي يحاربوا بقوة أكبر لنيل حقوقهم، يجب علينا أن نضغط على المجتمع من أجل توفير الأدوات والمساحات حتى يتمكن الأشخاص ذوو الإعاقة من الاندماج بكل سهولة مع المجتمع.

هناك بعض التناقضات حول رؤية الآخرين لنا، بعضهم ينظر إلينا على أننا أبطال خارقين وأن العقبات التي نواجهها في حياتنا اليومية فقط الشخص الذي يتمتع بالقوى العظمى فقط هو القادر على تحقيقها، ناهيك عن التفوق على الصعيد المهني أو الشخصي، وهي وجه نظر تلغي وجوب طلب الأشخاص ذوي الإعاقة بحقوقهم. على الصعيد الآخر، هناك نحن نظرة الإشفاق واحتياج إلى مد يد المساعدة والدعاء.

كِلا وجهات النظر هذه خاطئة. لماذا لا يستطيع المجتمع  تقبل أن الشخص المصاب بإعاقة هو مجرد إنسان عادي؟

لن تتغير نظرة المجتمع لنا إلا عندما نشاهد الأشخاص المعاقين ناشطين في مجالات التنظيم والتفاعل مع الآخرين وهذا هو أساس التسامح والقبول، إذا تم تعليم الأطفال في سن مبكرة أن الإعاقة ليست حالة بائسة من الوجود، إذا تم تشجيعهم على الاختلاط  وتعلم أن الإعاقة ليست شيئًا معيباً، فسنحصل بالتأكيد على مزيد من القبول في المجتمع.

هناك أيضاً بعض المبادرات مثل “الأربع بسكوتات” الذي يتكون من أربع بنات  لتمكين المصابين بـمتلازمة داون في مصر، مبادرة “إمكانية الوصول” لـ الشابة الأردنية آية أغابي المتعلقة بذوي الاحتياجات، مشروع “آي هيلب” لصاحبته رشا ارنست المعني بتوفير بتوصيل الأدوات التي يحتاجها كبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، مشروع “هاندي لابل” الذي يديره عبد الفتاح هداني، “جمعية قصير” العراقية التي تهتم بحقوق الأشخاص قصيري القامة وذوي الاعاقة والتي يديرها محمد جبار الذي يعاني من نفس الحالة، جميع هذه المبادرات تبث طاقة إيجابية في عالم الإعاقة.

نخلص في مقالنا هذا إلا أنه كلما زاد عدد الأشخاص المعاقين العاملين في إدارة نشاط المنظمات المجتمعية، زاد تقبل وفهم المجتمع بأننا أعضاء متساوون في مجتمعاتنا وأنه بإمكانهم المساهمة ثقافيًا ومهنيًا واقتصاديًا.

بقلم: ريا الجادر

ترجمة: مريم وسام

Previous ذوو الإعاقة بين مطرقة مشاكل القوانين القديمة وسندان الحقوق الضائعة
Next أشياء لا تفعلها مع الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية

About author

You might also like