على القطاع التجاري أن يعنى أكثر باحتياجات ذوي الإعاقة

على القطاع التجاري أن يعنى أكثر باحتياجات ذوي الإعاقة

 

منذ عدة سنوات، غمرني الحماس لخوض تجربة البحث عن فستان يليق بعرس أختي. كان هو العرس الأول بالنسبة للعائلة لذا توجب علينا أن نظهر بأبهى حلة. لم أُبدِ يوماً اهتماما بالتسوق ولم تعنيني التجربة بحد ذاتها ولكن في هذه المناسبة بالذات تغير شعوري تجاه عملية التسوق من عدم اهتمام إلى كره مطلق.

خلال تجولي في إحدى المحلات التجارية في لندن، وبحثي عن ما يناسبني اتجهت نحوي إحدى العاملات في المكان وما إن بدأتُ بمحاولة شرح ما أبحث عنه حتى بادرتني بالرد قائلة “لا يوجد لدينا ما يناسبك”، حاولت مجدداً أن أشرح لها مقاسي وما أبحث عنه لكنها أعادت علي نفس الإجابة متجاهلة كل ما حاولت قوله مسبقاً. غادرت المكان وكلي شعور بعدم الإنتماء لعالم التسوق، عالم يشعر معظم الناس الذين ينتمون إليه بالسعادة.

بالطبع، توجهت إلى متجر آخر، وابتعت ملابس مناسبة حيث خصص موظفو المتجر شخصًا لمساعدتي في العثور على مجموعة متنوعة من الملابس التي تمكنت من تجربتها نظراً لوجود غرفة تغيير ملابس مجهزة لديهم وسهلة الاستخدام. انتهى بي الأمر إلى إنفاق أكثر من 350 جنيهًا إسترلينيًا في هذا المتجر. 350 جنيهًا إسترلينيًا خسرها المتجر الآخر بسبب موقفه وعدم تقبله ذوي الإعاقة

إن ذوي الإعاقة هم أكبر أقلية سكانية متنامية في العالم نظراً للتطورات الطبية التي ساهمت في تنامي نسب الشفاء ومساعدة المرضى على النجاة من حالات خطيرة من الإعاقات والإصابات. ووفقًا للبنك الدولي، هناك مليار شخص (15٪ من سكان العالم) يعانون من الإعاقة، ويمثل العرب من ذوي الإعاقة 0.4 – 4.9٪ من هذه النسبة،( تقرير عام 2014 بعنوان الإعاقة في المنطقة العربية :نظرة عامة “من قبل لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا – الإسكوا).

بناءً عليه فإنه لا يتم الاعتراف بحوالي 40 مليون عربي يعاني من الإعاقة كمصدر للقوة الشرائية التي يمكن أن تسهم بشكل كبير في اقتصاد المنطقة، وتعزيز الأعمال التجارية ونموها وتوسعها.

المشكلة مع كل المحال التجارية، والمشروعات في العالم أنهم يظنون أنهم بمجرد وضعهم لمصعد أو منحدر، يكونون قد استوفوا متطلبات المستهلكين ذوي الإعاقة، متناسين أن جميع الأشخاص ذوي الإعاقة ليسوا فقط من مستخدمي الكراسي المتحركة وحقيقة أن الدخول إلى داخل متجر ليس مثالا لسهولة تمكينهم وإدماجهم في الأسواق.

عندما أجريت حديثا مع بعض ذوي الإعاقة في المنطقة العربية وجدتهم جميعاً يجمعون على شيء واحد، أن الذهاب لأي مطعم أو متجر هو أحد الأشياء الأكثر تحدياً بالنسبة لهم. يقول طارق سالم، بصفته مستخدماً للكرسي المتحرك إن 80 ٪ من المنتجات التي يشتريها هي من متاجر إلكترونية بسبب حقيقة أن غالبية المتاجر في القاهرة لا تملك غرفة تغيير ملابس مهيأة لاستقبال ذوي الإعاقة حيث يمكنه تجربة الملابس مثل أي عميل آخر.بالإضافة إلى أن الملابس مصممة لتلائم الأسوياء ولاتراعى احتياجات ذوي الإعاقة من حيث الطول الذي غالبا ما يجب أن يكون أقصر من المعتاد لتسهيل حركة وجلسة ذوي الإعاقة التي تمتد لساعات طويلة.

كما تحدثت أمنية اليماني، وهي خريجة إعلامية، ومؤثرة اجتماعية ، من مصر عن مشاكل ذوي الإعاقة في مصر وعن كيفية صعوبة الوصول إلى معظم المتاجر، مؤكدة أن حتى وإن تمكن ذو الإعاقة من الوصول إلى المتجر فإن طريقة عرض الأشياء لا تمكن من يستعمل الكرسي المتحرك أن يطال الأشياء أو أن الأشياء يصعب الوصول إليها باستخدام الكرسي المتحرك لعدم وجود مسافة كافية.

وتزداد الأمور تعقيداً إن كنت ذي إعاقة بصرية كما يخبرنا علاء محفوظ، من الأردن الحاصل على شهادة الدكتوراه في اللغة والذي يعاني من الإعاقة البصرية. هو يمقت التسوق لأنه دائماً بحاجة لمرافق حيث لا يتيح أي متجر للأشخاص أمثاله طرق تسهل عليهم عملية التبضع.حتى عندما يذهب للتسوق من محلات البقالة غالباً ما يخدعه التجار الذين يبيعونه الفواكه والخضروات الفاسدة لأنه لن يتمكن من معرفة ذلك.

كل هذا يؤكد النموذج الاجتماعي لذوي الإعاقة الذي ينص على أن الشخص غير معاق بسبب ضعفه بل بسبب الحواجز المادية والسلوكية التي يضعها المجتمع.

في تقرير حديث أعدته حكومة المملكة المتحدة، زُعم أن تجار التجزئة في المملكة المتحدة معرضون لخطر فقدان 249 مليار جنيه إسترليني سنويًا من خلال تجاهل المستهلكين من ذوي الإعاقة مما فتح باب النقاش حول ما يمكن أن يفعله المزيد من تجار التجزئة وحتى أصحاب العلامات التجارية والمعلنين لجذب ذوي الإعاقة.

مع الأخذ في الاعتبار أن هناك ما يقرب من 13 مليون شخص ذو الإعاقة في المملكة المتحدة قادرين على إنفاق ما يقارب 249 مليار جنيه إسترليني، إذا قمنا بزيادة ثلاثة أضعاف هذا الرقم في المنطقة العربية (40 مليون ذو الإعاقة) ، فإننا ننظر إلى أكثر من 800 مليار جنيه إسترليني يمكن جنيها من المستهلكين ذوي الإعاقة فقط، وهذا يؤكد أننا أمام أحد أكبر الأسواق الاستهلاكية غير المستغلة.

لماذا لا تحاول العلامات التجارية الوصول للمستهلكين ذوي الإعاقة ، لماذا لا يتم نشر الصور والحملات الإعلانية لعارضات ذوي إعاقة في مجلات الأزياء ولماذا لا نرى أي عروض أزياء  لذوي الإعاقة ؟ لماذا لا يوجد موظف من ذوي الإعاقة في المحلات التجارية؟ تعتقد بعض متاجر البيع بالتجزئة أن الشمول يعني المزيد من النفقات من جانبها متناسين أن توفير وصول أفضل إلى المزيد من العملاء الذين سينفقون المزيد من المال هو ما سينتج عنه ربحًا أكبر.بالإضافة إلى أن الأشخاص ذوي الإعاقة يقدمون أيضًا فرصًا تجارية يمكن استغلالها، مثل المعدات الحديثة والتكنولوجيا والخدمات الجديدة التي تساهم في تيسير ممارسة الرياضة والأنشطة اليومية.

لاغتنام هذه الفرص حقًا، يجب على الشركات فهم ثقافة الإعاقة حقًا. ومن الصعب أن نفهم حقًا ثقافة ما دون توظيف أشخاص من ذوي الإعاقة أو حتى التحدث إليهم، فقد كشفت دراسة أمريكية أجريت مؤخرًا أن الشركات التي توظف أشخاصًا ذوي إعاقة تتفوق فعليًا على الآخرين مما يؤدي إلى زيادة في الأرباح وعوائد المساهمين، كما بينت الدراسة ارتفاع الإيرادات بنسبة 28 في المائة، وارتفاع الدخل الصافي بنسبة 200 في المائة وارتفاع هوامش الربح 30 في المائة.

إن الشركات التي طورت استراتيجياتها ومكنت الأشخاص ذوي الإعاقة من الإنضمام       لموظفيها أتيحت لها الفرصة لمضاعفة عائدات مساهمين لأربعة أضعاف

كمستهلكة تعاني من الإعاقة، لو زرت أحد المتاجر ورأيت عاملاً على كرسي متحرك، فهذا سيعطيني تلقائيًا شعوراً بالراحة أو الثقة بأن هذا الموظف سيتفهم احتياجاتي تمامًا.

أعني تخيل الذهاب إلى متجر الملابس الداخلية لتجد الموظفين هم من الرجال فقط. كيف يمكن أن تشعر بالثقة من أن ها الموظف سيساعدك في العثور على ما تريد.

بالطبع يمكنك تجاهل كل ما سبق وأي فرصة للاستثمار في أسواق تعنى ب من ذوي الإعاقة وخسارة مليارات الجنيهات وأيضاً الفرصة للعب دور هام في تحويل العالم إلى سوق أكثر شمولاً.

بقلم: ريـــــا الجـــادر

ترجمة: دارين السراج

Previous ذوو الاحتياجات الخاصة أم ذوو الإعاقة؟

About author

You might also like