Category العلاقات الأسرية

(علمني (تينو

(علمني (تينو

 .ا( 3 أيار 2002م ) مازلت أذكر هذا اليوم كما لو أنه البارحة، كأنني غفوت قليلاً لأستيقظ من غفوتي وأجد محمد (تينو) في الرابعة عشر من عمره

أذكر لحظة ولادته وصرخته الأولى، أذكر قبلتي الأولى  وحضني الأول له، عدنا إلى البيت سويًا في اليوم التالي، ولكن (أدهم) زوجي كان قلقًا،غير مرتاح وشارد الذهن. كنت أتساءل عما أصابه وكان يجيبني بأنه غير مصدق بأنه قد أصبح أبًا، وأنا بسبب إنشغالي ب(تينو) لم أعر الموضوع اهتمامًا

“لم أعرف بأن محمد من أطفال (متلازمة داون) إلا حين بلغ محمد الأربعين يومًا، قد تتساءلون: “ألم تكن ملامحه ظاهرة؟

“..أجيبكم : “بلى لمن حولي؛ ولكنني ببساطة لم ألاحظ

أذكر تمامًا لحظة جلسنا لتناول الفطور في منزل والدي، فقد أراد (أدهم) أن يخبرني بالموضوع  في حضورهم كي يساعدونني على تقبل الأمر، لا زلت أذكر مقدمة والدي لفتح الحديث: “أن هناك الكثير من الأهل يحلمون بذرية ويتمنون الحصول على ظفر طفل! وأن على الإنسان أن يحمد ربه على نعمه

من دون وعي أو تفكير ركضت وأحضرت محمد وكان نائمًا ووضعته في حضني وسألتهم: “ماذا به؟ مم يعاني؟” فأجابني (أدهم) بالفرنسية: “تريزوميك، خلل ب الكروموزوم 21”. لم تسغفني ذاكرتي ولا كل المعلومات التي درستها في العلوم، عانقته بشدة وسألته :”هل سيموت؟

“أجابني أدهم:” (سلام) ! ماذا أصابك ؟ بالطبع لا.. حالته غير مميتة!

“سألته مجددًا: “هل يتألم؟

“وأجابني أدهم :”أكيد لا، سلام إنها متلازمة داون، هي ليست مرضًا

“.أجبته :” إذًا لا تخبرني شيئًا إن كان سيعيش ولن يتألم، لا أريد أن أعرف شيئًا سنكتشف الحياة سويًا، المهم أنه معنا

لقد كان هذا اليوم مفترق طرق في حياتنا كعائلة، لقد بدأنا رحلة جديدة مختلفة تمامًا عما رسمناه، بدأنا رحلة جديدة والربان فيها هو (تينو)، فقدراته هي الريح التي تميل لها أشرعتنا، وإمكانياته هي البوصلة التي تغير وجهتنا وأهدافه هي وجهتنا والشط الذي نرسو عليه

لن أدعي بأنها كانت تجربة سهلة ولكنني أيضًا لن أبالغ في وصف صعوبتها. أن تكوني أمًا لولد من أولاد متلازمة داون يعني أنك ستعيشي حياة مختلفة، حياة متعبة أكثرمن حياة الآخرين ( و هذا يعتمد على خططك لمستقبل ولدك ومدى إيمانك بقدراته) ولكنها حتمًا ستكون حياة أكثر فرحًا، أكثر تحديًا وحتمًا أقل مللاً

نحن تعودنا بعد تجربة، أن نعيش الحياة يومًا بيوم،  نستمتع بأي إنجاز مهما كان صغيرًا ونتقبل كل إخفاق بأمل مهما كان كبيرًا، مررنا ومازلنا وسنمر بلحظات صعبة؛ واجهناها وسنواجهها بالحب والتكاتف. ما زلت أذكرحين اتفقنا أنا وزوجي بعد ولادة  (تينو) بفترة قصيرة بأن يساعد أحدنا الآخر في حالات التعب والضعف وتعاهدنا على أنه يجب على الأقل إحباطًا أن يساند من هو أكثر منه إحباطًا.

مررنا بأيام ممتعة  ونحن نراه يكبر ويكتسب حب المحيطين به وبنا، ووجدنا في حضن (محمد) كمية من الحنان والعاطفة لا يمكن أن تجدها في حضن آخر، فمحمد – (تينو)-  الذي يتمتع بكاريزما ساحرة كان أكثر من يساندنا في أوقاتنا الصعبة، فهو ولد يشع فرحًا و إيجابية، ويعرف كيف ينثر السعادة والضحكة حيث يكون.

ومع هذا مررنا بأوقات صعبة ومحبطة ليس بسبب محمد بل بسبب توقعاتنا التي كانت تتجاوز قدراته، تعلمنا بعدها أن نفصّل أحلامنا و آمالنا على حجم إمكانياته، وألا نقع بفخ المقارنة بينه وبين أخويه الذي نجتهد في تربيتهم على تقبل الآخر، كما نتعب في تفسير المعلومات الخاطئة التي يتبرع البعض بتقديمها وشرحها لأطفال صغارحول حالة أخيهم وعمره وإمكانياته عدا عن وصفه أحيانًا بأوصاف يصعب على أي كان تقبلها، مهمتنا كأهالي هي توعية  المحيط الخارجي قبل توعية أبناءنا.

نحن جميعًا نتعلم من أولادنا ذوي الأحتياجات الخاصة كل يوم، أنا شخصيًا وجود محمد في حياتي علمني الكثير ومازلت أتعلم منه كل يوم، فأنا اليوم بفضل محمد امرأة جديدة، وجوده في حياتي غيرني كثيرًا وصقل شخصيتي وجعلني أرى الحياة من منظور مختلف تمامًا، محمد أضاء على أشياء في داخلي لم أكن أعلم بوجودها.

12400825_10153550224638929_7011189107159376190_n

هذا بعضًا مما أكتسبته من صفات وتعلمته من وجوده في حياتي، فالحياة من دونه كانت حتمًا ستكون كالماء لا طعم لها ولا لون ولارائحة.

تينو اليوم هو الولد والمعلم في آن واحد..

  :فلقد علمني

 الصبر في مواجهة العناد-

 .الحب و العطاء من دون مقابل-

 .كيف أفرح وأستمتع بأصغر الأمور-

 .المثابرة و عدم الآستسلام حتى الوصول إلى الهدف-

 .المواجهة والقتال في سبيل الدفاع عن حقه وحقنا في مواجهة التخلف-

 .التجاهل لكل من يحاول إحباطنا-

 .المشاركة والتواصل وكسر الحواجز-

 .كيف أحول ضعفي إلى قوة-

 .الإيجابية و كيف أقدر ما أملك ولا أتحسر على ما ليس لدي، فحين تقارن نفسك بالآخرين تعرف قيمة ما لديك-

.أن أعبر عما في داخلي بصدق وألا أحقد على أحد-

 

أنا (سلام الحاج أحمد) والدة ( محمد طعان أسعد -تينو-) يحق لي أن أتفاخر بأن ولدي من ذوي متلازمة داون وله من الإنجازات ما لايعد ونحن ما نزال

في بداية الطريق، وقريبًا بإذن  الله ستعرفون أكثرعن (تينو).. و

       بقلم: سلام الحاج

محمود ودينا

محمود ودينا

تناولت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي مؤخرًا في مصر خبر لفت الأنظار وهو خطبة بطلي مصر في السباحة  لذوي الاحتياجات الخاصة (محمود صفوت عبد الباري ودينا طارق سعد) ولمن لا يعرف قصة محمود ودينا فهما شاب وشابة ولدا بمتلازمة داون، محمود الذي يعمل بالجامعة الألمانية في القاهرة ويبلغ من العمرعشرين عامًا مارس السباحة منذ الصغر وحصد العديد من الجوائز منذ طفولته وتأهل للوصول لبطولة العالم لعامين متتاليين، واستطاع أن يصبح بطل مصر والعالم في السباحة وحصل على الميدالية الذهبية والبرونزية في بطولة العالم 2016، كما أنه يمارس عدة أنشطة بجانب السباحة مثل التنس وكرة السلة وألعاب القوى والرقص كما أنه يستطيع قيادة السيارة على حد قول والده الذي لاحظ تميز ابنه منذ الصغر.

أما دينا فهي خريجة مدرسة (سان جان أنتيد) بالإسكندرية. منذ الصغر مارست عدة رياضات فبدأت بألعاب القوى وتنس الطاولة والتنس الأرضي والسباحة.

تفوقت دينا في التنس الأرضي والسباحة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي وحصلت على الميدالية الفضية والبرونزية في بطولة لوس أنجلوس 2015، كما أنها بطلة شمال أفريقيا والشرق الأوسط  في السباحة وحاصلة على 3 ميداليات ذهبية في سوريا  2010، حاصلة على الميدالية الذهبية في السباحة الطويلة في قناة السويس في البطولة الإقليمية الثامنة لشمال افريقيا والشرق الأوسط 2014، شاركت بارتدائها فستان الزفاف في أول عرض أزياء بمشاركة ذوي الاحتياجات الخاصة في مصر و الشرق الأوسط .

نشأت بين (محمود ودينا) قصة حب بريئة لاحظتها والدة دينا عندما كانت ترى حالة من السعادة على ابنتها منذ أن التقت بمحمود وخاصة بعد عودتهما من بطولة المنتخب في إيطاليا وكثرت الاتصالات الهاتفية ورسائل الواتساب بينهما، فقام الأهل بمتابعة علاقتهما وشدة ارتباطهما وقرروا دعمهما الكامل، وبدأوا يلتقوا جميعًا في زيارات منزلية وفي النوادي ودور السينما وأدركوا قدرتهما على التعامل كما لا يفعل الأسوياء، فقرروا مباركة هذه العلاقة بأول خطوة وهي الخطوبة مع أخذ خطوات لإتمام الزفاف بعد الانتهاء من تجهيز بيت الزوجية  تحت إشرافهم الكامل.

وهذا الخبر أثار العديد من التساؤلات والآراء للمتابعين منها ما كان مؤيد بشدة أو مؤيد بتحفظ ومنها المعارض تماما لأسباب عدة ( دينية – ثقافية – صحية ….)، ومنها للأسف آراء تهكمية وساخرة ورجعية تنم عن جهل مازال متواجد عند بعض أفراد المجتمع الذين ينكرون على ذوي الاحتياجات الخاصة حقهم في العيش بطريقة طبيعية مثل الأسوياء وكأنهم أنصاف بشر أو أناسي!… والحقيقة أنهم بشر مثلنا مثلهم يشعرون… يحزنون ويفرحون… يحلمون ويبدعون… بل ويتفوقون وخير مثال البطلين (دينا ومحمود) وما شهدناه في بطولة الألعاب البارالمبية والتي ظهرفيها كم من الإصرار والعزيمة والنجاح لذوي الاحتياجات الخاصة كفيل بتغيير النظرة والصورة السلبية والقمعية التي فرضها المجتمع عليهم .

أما من التساؤلات العديدة التي أثيرت من قبل المتابعين مثلاً:  هل يجوز ذلك؟ … هل يستطيع أفراد متلازمة داون الزواج؟ … هل يستطيعون الإنجاب؟ … والعديد من الأسئلة التي طرحها المتابعون وتم الرد عليها من قبل علماء الدين والطب والنفس بعدم وجود موانع لذلك بشروط… أما السؤال الذي تبادر إلى ذهني و فكرت في إجابته مرارًا وتكرارًا هو كيف وصل محمود و دينا إلى تحقيق بطولاتهم وأحلامهم؟

كلمة السر هي (الأهل)… نعم، فلولا دور الأهل الواعي وضربهم عرض الحائط بآراء المجتمع البالية بل وكسر الصورة النمطية عن ذوي الاحتياجات الخاصة لما أصبحوا أبطالاً يمثلون بلدهم، ولولا إيمان ذويهم بهم و بقدراتهم ودعمها لآل حالهم إلى حال العديد والعديد من ذوي الاحتياجات الخاصة في مجتمعاتنا الذي يندي له الجبين.

يبدو أن هناك بشائر أمل تتمثل في كل من بارك هذه الزيجة سواء تمت أم لم تتم فهي رمز لبداية التغيير، هناك بشائر أمل في أهل  لم يشعروا بالخزي من أبنائهم -بل أبطال- أعلنوا الخطبة على الملأ ولم يكترثوا للرأي العام رغم أنه كان بالإمكان جعلها سرية أو عائلية، ولكن اختيار إعلانها هو بمثابة صفعة على وجه التابوهات المفروضة على أبنائهم وغيرهم، وهم بذلك أذنوا بانتقال ذوي الاحتياجات الخاصة في مجتمعاتنا من مرحلة ( العيش على الهامش ) إلي مرحلة ( العيش بفخر) ثم مرحلة (العيش  في تبات و نبات)… رغم أنف الرافضين.

بقلم:  إيمان أبو الغار