Tag مجلة آفاق ذوي اﻻحتياجات الخاصة

(يوميات (تينو

(يوميات (تينو

 

 

سعدت كثيرًا حينما تلقيت ذلك الكم الهائل من التعليقات الإيجابية على مقالي الأول، وطلب مني القائمون على الموقع الاستمرار في الكتابة، وأبلغوني برغبة القراء في معرفة المزيد عن حياة “تينو” ومغامراته، فكل ما كان متصلًا بمحمد هو مادة دسمة لنا وللمحيطين بنا كذلك؛ فلحظات محمد هي محور الحديث مع من حولنا.

مقالي اليوم لا يرتكز على “تينو” بقدر ما هو رسالة شكر لجميع من دعمنا منذ اليوم الأول، ورسالة شكر لجميع قراء مقالي السابق والحالي، وهذا أكبر دلالة على حرصهم على أهمية الترابط الأسري، وأهمية دور الأصدقاء الإيجابيين لعائلة يحتاج فيها أحد أطفالها إلى رعاية خاصة.

قد لا يكون كل من سيرد اسمه اليوم قادرًا على قراءة رسالتي هذه، ولكنني أكتبها من منطلق الاعتراف بجميلهم ودعمهم؛ فبدونهم وبدون ذلك الدعم النفسي ما كان باستطاعتنا الوصول –نحن العائلة- لما نحن عليه الآن من الناحية النفسية. فلقد اتخذنا قرارًا مهمًّا –باعتبارنا زوجين وأبوين لمحمد- وهو أن نحيط أنفسنا بأشخاص يتمتعون بالإيجابية بوصفها منهج حياة؛ فيجب تذليل صعوبات الحياة بدلًا من تضخيمها, فالأصدقاء الحقيقيون وحدهم هم من سيشكل الدعم المعنوي الذي يجعل عجلة الحياة تسير في الاتجاه الأفضل.

ذكرت لكم في مقالي الأول أنني أُبْلِغْتُ بأن “تينو” من أطفال متلازمة داون حينما بلغ من العمر أربعين يومًا، وكان ذلك عندما أبلغ طبيب الأطفال المناوب في المستشفى يوم ولادة “تينو” زوجي بهذا؛ فلقد كان يخشى علي من الإصابة بحمى النفاس أو بالإحباط والاكتئاب عند معرفة الحقيقة. وكان لهذا الطبيب الأخصائي “ظافر الحاج شحادة” عظيم الأثر في حياتي الحالية؛ فلن أنسى مطلقًا وقفته المستمرة إلى جانبي، وتحمله فضولي وكثرة أسئلتي واستفساراتي التي كانت -في أغلب الأحيان- غير منطقية ومبنية على أحاديث وأخبار متناقلة بين الناس جلها محبط ويائس. فلا أزال أذكر نصيحته لي في زيارتي الأولى له بعد أن عرفت بحالة “تينو”، وأود الآن أن أذكرها لكم وأشارككم إياها؛ فقد قال لي: «نحن متفقون على أن أينشتاين هو أذكى البشر، تخيلي لو كان لأينشتاين ولد يحمل عن طريق جيناته ذكاء والده، وقمنا بوضعه في الغابة حيث لا وجود لعلم ولا تربية؛ كيف تتصورين حالته؟ كيف ستكون؟

أجبته –حتمًا- : لن يكون نابغة كوالده؛ لأن الذكاء شقان: وراثي ومكتسب.

فقال لي: هنا بيت القصيد؛ فأنت رزقت بولد قدراته أقل ممن حوله, وكلنا يحمل ذكاء “فطريًّا”، وعلى عاتقكم –بوصفكم عائلته- مسئولية كبيرة وهي تطوير هذه القدرات، خاصة مسئوليتك أنت لكونك أمه وأكثرهم فهمًا له وعنه.

أنت وشطارتك). هذا كان مضمون كلامه).

 حينها لم أترك كتابًا حول متلازمة داون إلا وقرأته، وكنت أرجع للدكتور شحادة في كل صغيرة وكبيرة، والذي كان يقوم بدوره بتصحيح كثير من المعلومات الخاطئة, وكان يتصل بي ليسألني إذا كنت قرأت الكتاب الفلاني، ويزودني ببعض المقالات الطبية والعلمية, إلى أن وجدته يستعين بي في الدعم النفسي لبعض الأمهات الجدد اللواتي أنجبن أطفالًا من متلازمة داون.

كم أتمنى أن تجد كل عائلة طبيبًا إيجابيًّا داعمًا ومتفهمًا، ويمارس الطب بوصفه رسالة وليس مهنة. أرجو من الله أن يجعله في أفضل حال هو وأمثاله أينما وجدوا وحيثما حلوا.

 أما الشخص الآخر الذي كان له كذلك أثر كبير في حياتي فسأخبركم به، فهو صديقي بل أقرب الأصدقاء إلى قلبي: الدكتور “أمجد قانصو” طبيب الأسنان المثقف. فكنت على موعد مسبق معه لمعاينة أسناني في ذلك اليوم الذي أبلغني فيه “أدهم” بحالة “تينو”، وأمام إصرار والدي على الذهاب ذهبت إلى ذلك الموعد وأخذت “تينو” معي.

وحين وصلت سألته: أمجد هل تلاحظ شيئًا غريباً؟

فأجاب: ما ألاحظه ليس شيئًا غريبًا.

 فقلت له: ماذا تقصد؟.

فقال: إذا كنت تعتقدين أن متلازمة داون شيء غريب فأنت مخطئة.

أتذكر الآن كيف ابتعد عني قليلًا، وجعل كرسي الأسنان بيننا ونظر إلي بإصرار، ثم سألني: هل سبق لك أن ذهبت إلى السيرك؟

أجبت: بالطبع.

فقال: ألم يبهرك السيرك والحيوانات المشاركة فيه؟ كم مرة صفقت بشدة لحيوان أذهلك بإتقانه وببراعته لما يؤديه؟

أذكر تمامًا كيف كانت ردة فعلي، فلقد نظرت إليه شزرًا وقلت: شو قصدك؟ شو بدك تقول؟

قال لي: إن الحيوانات لا تمتلك الذكاء ولكنها بالتدريب والتمرين تستطيع أن تذهلنا, فكيف بطفل يمتلك ذكاء فطريًّا وغير تقليدي؟! قد تجدين حديثي مستفزًا الآن، ولكن حينما تفكرين به مليًّا ستفهمين رسالتي جيدًا. إن قسوتي هذه لصالح الجميع, أنا أثق بك والأيام ستثبت أنك ستكونين أمًّا مميزة و”تينو” سيكون مضربًا للمثل في إمكانياته وقدراته.

شكرًا أمجد! كلنا لدينا أصدقاء مميزون يدعموننا ويساندوننا، ولكن قبل كل شيء يجب أن يكون لدينا الاستعداد لسماع تلك النصائح، وأن نسمح لهم بالاقتراب والتعبير بكل أريحية مع تقبل ما قد نسمعه منهم، ولا يشترط أن يُسمعوننا ما نريد بل إن ما لا نريد سماعه قد يكون هو المفتاح والحل، ومعظم الناس تتجنب الخوض في هذه الموضوعات مراعاة لمشاعر الآباء، ولكن –صدقوني- إن الصراحة مهمة، فافتحوا باب الصراحة وانفتحوا على محيطكم، واسمحوا للإيجابية بالتدفق فيكم لتنعش حياتكم , فنحن بني البشر بحاجة دائمة للدعم المعنوي من المحبين.

ولا أنكر دور عائلتنا الكبيرة من أهلي وأهل زوجي الذين ساندونا ورافقونا منذ بداية هذا المشوار حتى يومنا هذا دون كلل أو ملل, وهل يوجد أروع من حضن دافئ لكي ننسى همومنا، وأجواء حبٍّ صادقة لا يعرف الزيف لها طريق؟! كان أبي الحاضن الأكبر لـ “تينو”، والصديق الأقرب له، وكان مثله الأعلى.

ومن حسنات الكتابة الإلكترونية هي أنني أود أن أشارككم فيديو لـ “تينو” مع جده، أرجو أن ينال إعجابكم. وأعتذر إلى جميع من لم يتم ذكرهم ممن كان لهم تأثير إيجابي في حياتي، ولكن –بالطبع-سوف أتناول ذكرهم واحدًا تلو الآخر في “يوميات وخبريات تينو.

ختامها مسك وعنبر، فلقد تعمدت أن أترك ختام هذا المقال مع صديقي وشريك حياتي، الداعم الأول والأخير لسعادتي: “أدهم”، فلست أدري كيف ستكون حياتي لو لم تكن إلى جانبي. شكرًا “أدهم” لأنك ذلك الشخص الواعي المحب المتفهم الذي قدر تقلبات مزاجي، وفهم عصبيتي، وخفف من إحباطي؛ فلولا وجودك لاستسلمت مبكرًا. فقد كنت تغمرني دائمًا بتلك العاطفة التي تميزت بها، والحب الذي أستمد قوتي منه دائمًا.

 بقلم: سلام الحاج

إمكانية الوصول حقٌّ للأشخاص ذوي الإعاقة

إمكانية الوصول حقٌّ للأشخاص ذوي الإعاقة

 

في المقال السابق تحدثنا عن الإعاقة بمفهومها العام، بوصفها جزءًا من التنوع البشري، وأنها حالة تنتج معها عوائق مادية أو حواجز سلوكية تمنع الشخص من ممارسة حياته؛ ليشعر بالمساواة مع الآخرين، وهذا لوجود قصور لديه إما حركي أو سمعي أو بصري أو حسي أو ذهني أو نفسي. فإن تمت معالجة هذه العوائق والحواجز وإلغاؤها تمكن الشخص من الوصول إلى حقوقه والتمتع بها.

في هذا المقال سنتعرف معًا على كيفية معالجة هذه العوائق والحواجر، لكن دعونا نتفق في البداية على أن العوائق تكون في البيئة المادية وفي الأشكال التكنولوجية المختلفة المحيطة بنا، وأن الحواجز تتمثل في سلوكيات أفراد المجتمع بمن فيهم صناع القرار، وراسمي الخطط والاستراتيجيات، وواضعي السياسات التي تخلو من مبادئ التضمين والدمج للأشخاص ذوي الإعاقة، والتي تحول دون تحقيق المشاركة الفعالة لهم في مجتمعٍ معيق؛ ويرجع هذا لما يتبناه أصحاب هذه السلوكيات من اتجاهات وصور نمطية سلبية تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة، ونظرهم لهم بوصفهم حالات مرضية أو أنهم أشخاص عاجزون.

وفي ظل اتجاهنا الآن في الحديث نحو الحلول العملية لمشكلة العوائق المادية أو التكنولوجية وجب البدء بالاتفاق حول المفاهيم المرتبطة بذلك، والمسئوليات المنوطة بالأشخاص والجهات ذات العلاقة، وحقيقة التكاليف في الموضوع مثار البحث، مستندين في ذلك إلى ما قدمته اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة من تفسير وتوضيح خاص بذلك، فإن أول المفاهيم التي نصت عليها الاتفاقية في مبادئها، وجاء أيضًا عنوانًا للمادة التاسعة منها هو «التهيئة البيئية» أو «إمكانية الوصول(Accessibility) »، والتي تشير إلى مجموعة التعديلات والترتيبات اللازم توافرها لضمان تمتع الأشخاص ذوي الإعاقة بجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وممارستها على أساس المساواة مع الآخرين. والصفة الرئيسة في هذه الترتيبات أنها التزام على الدولة، وواجب عليها توفيرها من خلال ما تسنه من تشريعات، وما تنتهجه من سياسات تنعكس في ممارستها وتطبيقاتها العملية، والتي من الواجب أن يتم توفيرها في كافة مرافق الدولة. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذه الترتيبات لا تقتصر فائدتها على الأشخاص ذوي الإعاقة، بل إنها تخدم غيرهم من أفراد المجتمع؛ فالأمهات أو الآباء الذين يدفعون عربات أطفالهم يستفيدون من المنحدر الخاص بالأشخاص ذوي الإعاقة، والأشخاص الأمييون أو الذين لا يتحدثون لغة البلد يستفيدون من الإشارات الإرشادية الموجهة للأشخاص الصم، أو يمكن الاستفادة من الساعات الناطقة لمعرفة التوقيت في حال انقطاع التيار الكهربائي، بالإضافة إلى كثير من الفوائد المتحققة من توفر أشكال التهيئة المختلفة؛ لذلك بات متداولًا بين أصحاب الاختصاص ما عُرِفَ بمفهوم «التصميم العام (Universal Design)» والذي يعني تضمين المواءمة في عملية التصميم والإنتاج، بحيث تصبح جزءًا من مكونات نظام الواقع الذي نعيشه، كما تفعل شركات أجهزة الهواتف المحمولة التي أفردت في إعدادات هواتفها خاصية «إمكانية الوصول(Accessibility) » في الاتجاه الآخر.

وعندما كان هناك حاجة بالفعل لتوفير أشكال محددة ومخصصة لبعض الأشخاص ذوي الإعاقة في بيئات محددة كأماكن العمل؛ فقد طرحت الاتفاقية مفهومًا أسمته «الترتيبات التيسيرية المعقولة(Reasonable accommodation) »، وهي مجموعة التعديلات والترتيبات اللازمة والمناسبة التي لا تفرض عبئًا إضافيًّا أو غير متناسب أو غير ضروري على عاتق الجهات الموفرة لها. المهم في هذه الترتيبات أن الحاجة لها تظهر في حالات محددة، ولا يقتصر توفير هذه الإجراءات على الدولة فحسب، إنما يجب على غيرها من الجهات توفيرها كأصحاب العمل مثلًا؛ حيث إن هذه الإجراءات تأتي لمراعاة حالات محددة في ظروف محددة بحيث يؤخذ بعين الاعتبار القدرة المالية للجهة المنفذة، ومثال ذلك أنه إذا تطلب وصول أحد العاملين المستخدمين للكرسي المتحرك للطابق الثاني، ولا يوجد مصعد مهيؤ لذلك، ولا يمتلك صاحب العمل رأس مال يمكنه من تركيب المصعد؛ يستعيض عن ذلك بترتيب التكلفة المناسبة لتيسير وصول الشخص، كأن ينقل مكان العمل الخاص بالشخص لطابق أرضي قريب من مكان العمل الرئيسي.

إن توفير هذه الترتيبات مهم جدًّا لما له من أثر، ولعل أهم الأسباب والتبريرات خلف غياب أشكال التهيئة -كما نسمعها من كثير من صناع القرار- أن لها تكلفة عالية تحول دون توفيرها، لكن ما أشارت له الدراسات بأن 57% من أشكال التهيئة البيئية والترتيبات التيسيرية المناسبة لا تكلف شيئًا، كما أن متوسط تكلفة الباقي منها لا يتجاوز 500 دولار أمريكي. هذا بالإضافة إلى أن وجود هذه الأشكال من التهيئة يزيد الاقتصاد الوطني والعالمي بخبرات هؤلاء الأشخاص التي تعود بالنفع العام، وتنتشلهم من خانة العاطلين عن العمل إلى الاستقلال المادي، وعدم الحاجة إلى شخص ينفق عليهم.

 

أنس اشتيوي

ناشط ومدرب في مجال حقوق الإنسان